الصفحة 7469 من 9223

شيء من هذا هو الذي حدث للبحتري، فوثب وثبته التي شارف فيها القمة، فقد شاء له الحظ أن يشهد منظرًا مروعًا، وأن تشخص أمامه مأساة من أفظع ما تفتتت عنه قسوة القلب البشري، فبعد أن سعد برضا الخليفة المتوكل ووزيره، ابن خاقان طوال اثنتي عشرة سنة، وتقلب في ظلال النعيم بجانبها - فوجئ ذات ليلة وهو في مجلسهما بجماعة من الأتراك دهموا مجلسهم، وفي قلوبهم غل وقساوة، وفي عيونهم بريق من الموت الأحمر، وفي أيديهم سيوف مسلولة، وتحت بصر الشاعر ذبح الأتراك وليي نعمته، الخليفة والوزير، وفي تلك اللحظة الرهيبة كان الشاعر ترتعد فرائصه، وتصطك أسنانه، ويتحسس غلصمته من انتظار دوره، ولكنه استطاع بحيلته الثعلبية التي نجح بها في مخاتلة الخلفاء والوزراء، أن يخاتل الذباحين الأتراك -أيضًا - فأفلت من الذبح.

انطبعت هذه الدراما الممثلة أمامه في قلبه، فكان أبرز فصولها، خيانة ابن عاق لأبيه، انتهاك حرم الخلافة وشرفها، وانهيار مجد الدولة وعظمتها، ذبح الخليفة ولي نعمته بالذات، كما تذبح الشاة، انقلاب رجعي معاكس، أفول نجم الشاعر، رعب يلاحقه، وأحلام مزعجة ينتظر في كل لحظة تعبيرها.

بعد هذه الرواية، تذكر الشاعر كيف كانت الدولة العباسية في عهدها الزاهر، وكيف أقامها شباب الفرس بقيادة أبي مسلم على صدور 171/17

172/17الرماح، وظبا السيوف، كيف كانت عزيزة في أيدي الفرس حماة الخلفاء، وكيف تؤول إلى الذل في أيدي ذباحي الخلفاء.

في غمرة هذه الذكريات أصيب الشاعر بنوبة عنيفة اهتاج فيها مصممًا على الرحيل إلى أبيض المدائن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت