الصفحة 7470 من 9223

هذا ما حمل الشاعر على رحلته إلى بلاد الفرس، ليبث شكواه في (المدائن) ، وليخلف لنا تحفة فنية في وصف (الإيوان) رمز عظمة الفرس، فكان في تصويره له إبداع وروعة، وفي عاطفته صدق وحرارة، وفي لهجته جد لا هزل فيه، وقوة لا ضعف فيها، وتماسك لا تراخي فيه، وفي ثنايا وصفه تبرز شخصية الشاعر بانفعالاته من ذكريات تبعث على الأسى، وحسرات على ما حرم من نعيم وأمن، (حين زعزعه الدهر لتعسفه ونكسه) .

كان الوليد يستهدف دائمًا في وصفه المظاهر العمران غرضين مزدوجين:

1-إطراء ممدوحه بوصف مؤسساته العمرانية، وتخليدها ببيانه فيتوصل بذلك إلى أغراضه المادية.

2-إشباع حاسته الفنية في هذه الميدان الذي قلما يشاكه فيه شاعر، فيبدع ما شاء له الإبداع، ويفتن ما شاء له الافتنان.

ولكنا لا نري في هذه القصيدة أي غرض مادي، بل فيها ما هو أسمي وأقدس، أغراض روحية شريفة، وعاطفية عفيفة= وفاء للذين استظل بظلهم ردحًا من الزمن، توجع لنكبتهم، وقيام ساعتهم، رثاء لمجدهم المنقرض، وقوتهم المنهارة، تقريع للمتمردين الذين تم ذلك على أيديهم الملطخة بدم الغدر والخيانة، كل ذلك يظهر من ثنايا لهجته الحزينة، ونبرات الحانه الشجية، غير أن تقريعه لا يظهر إلا بصورة غير مباشرة، وبعبارات (1) رمزية، لأن الموقف حرج بالنسبة لشاعر مترف، لم تسلم رقبته من السيف إلا لبقية في أجله.

أما الغرض الأساسي الذي ذكره الشاعر في قصيده الرائع، فهو إقامة الذكر على الذين نصروا أولياء نعمته بسيوفهم، فهم كما يقول:

أيدوا ملكنا وشدوا قواه *** بحماة تحت السنور حمس

وقد تسرب في هذه الذكري إلى تاريخهم وعظم دولتهم التي قوضها 172/17

173/17الإسلام ليبني على أنقاضها دولة إنسانية خالدة.

(1) لاحظ بعض الأدباء أن هذه الفكرة تحتاج إلى توضيح وأمثلة، وملاحظته معقولة، غير أن الفكرة لو وسعناها لطال البحث وخرج عن موضوعنا الموجز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت