فهرس الكتاب
فقال قائل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا سيدي أَحْمَد بن محمد بن ناصر، فرجع في أسرع من طرفة عين، كأنه جبذه أحد، ولا أظن الناس دهشوا أكثر من تلك الدهشة، ثم إن الناس نفذ ما عندهم من الماء والزاد، ولم يعط لهم الرئيس الماء إلا نحوًا من أربع مرات، مدة إقامتهم على ظهر البحر، وهي أحد وخمسون يومًا، فربما صبرنا للماء ثلاثة ايام، ربما صبرنا للطعام يومين، من قلة الماء، فبضع المرات إذا اشتد العطش أمطرت السماء، فأخذ الناس يسدون به بعض الخلة، ويبردون به بعض الغلة، وبعض المرات يشترون قربة ماء بست موزونات، وبعض المرات يشترون الدلاع من عند من اشتراه من بر الترك، كل دلاعة بخمس أواق، نصف مثقال، عشرين موزونة، إلى أربع أواق للواحدة، إلى ثلاثة أواق، إلى أوقتين، كل دلاعة بقدرها، كبرًا وصغرًا، ويشترون التين اليابس بموزونة في عشر الخبزة، وفي نصف الخبزة بموزونتين، إلى غير ذلك، وقد يقول أحدهم: أسقوني حتى يعيى، فلا يجد من يسقيه، ويطلب آخر ماء البيع فلا يجده، ثم جاءتنا الجنوب وهي التي تلي ريح العبور في الجودة حتى أتت بنا إلى (خانية) وهي جزيرة كبيرة جدًا في البحر، بينهما وبين (درنة) ، التي هي من مراسي ساحل برقة مسيرة يوم في البحر، ثم سكنت الريح جملة، فسكن البحر، ووقفت المراكب (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره) ، فقامت المراكب كذلك ما شاء الله، ثم إنه تنفست ريح الجنوب، ثم اشتدت فذهبت بنا إلى أن جاوزنا (الأسكندرية) فرأيناها عن يميننا، فذهبنا إلى جهة يسراها، فتم الماء للناس، فقال الرئيس: نذهب إلى جزيرة (روضس) فنستقي منها فقلت له: أيها الرئيس اذهب بنا إلى (الأسكندرية) التي شارطناها معك، فقال: نعم، ولكن لا أعطي الماء، فقلت له سامحناك فيه، فكلم الذي أخذ (الدمى) وهي الخشبة التي يديرونها حيث شاءوا أن يتوجهه إليه المركب، فيتوجه إليه فقلبه فانقلب المركب من جهة (روضس) إلى جهة