فهرس الكتاب
(قال عليه الصلاة والسلام: (ما عال(1) من اقتصد)، وقال الله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ، وقد فسر الدهر ذلك لنا تفسيرًا، فإن سنين المجاعة لا تجد فيها إلا ما ادخرته في السنين المخصبة، فعليك بالادخار، ثم إياك وإياك السرف، فادخر ما أمكنك من الإدام والزرع والجلبان واللغت اليابس والهرجان (2) والخروب وغير ذلك، وزريعة كل شيء، ثم إياك ثم إياك التفريط في التبن، فهو تبر لا تبن، وهو أساس كل شيء، فقد مرت علينا سنون جمع الله فيها كل محنة من جوع وجراد كثير ووباء، فأكل الجراد الأشجار والخضر، ثم غارت المياه في الآبار والعيون (3) ومنع الوباء الناس من الأسواق الكبري، فقست القلوب، فلا تجد من يسقيك شربة ماء فضلًا عن غيرها، فرأيت كل من عنده إدام يبدله بالدخن في (ماسة) (وادي سوس) ومن عنده خروب يأكله ويبيع منه، ومن عنده هرجان كذلك، ومن عنده جلبان فهو إعانة له، ومن عنده شيء من الزرع فإن أنفق منه قبضة ولو على عياله فإنه ينال به رضا الله، ويتبوأ بذلك من الجنة حيث يشاء إن شاء الله، ومن لم يدخر شيئًا فالويل له والثبور والفضيحة في الدنيا والآخرة، فأولئك هم المسرفون المتواكلون لا المتوكلون، قال عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) ، فمن بذر معيشته فسوق يشاهد وبال ما صنع، إياكم وسلف الزرع إلا لمن أراد أن يحصد به آخر بعد أن يطيب، فقد سلفت ما عندي أجمع في الحرث، فلم يحصد أحد في بلادنا ولو حبة فلم آخذ من متاعي إلا الحسرة والندامة، فضيعت عيالي فأعقبني ذلك الإثم
(1) ما عال: ما افتقر.
(2) أركان: الشجر المعلوم في المغرب الذي يستخرج منه الزيت.
(3) سبحان الله هذا كله وقع الآن في سنة 1381هحتى بلغ التبن نحو أربعين فرنكًا للكيلو، فاستحر الموت في البهائم والغنم، وهذه السنة سيؤرخ بها فيما بعد، فلا ماء ولا معاش إلا في الأسواق، ولكن أين الأثمان.