فهرس الكتاب
وحكى أيضا أنه وقعت المذاكرة هناك حول مسألة في التشريح ما يقصد به عند الأطباء، فبينت لهم ما أعلمه عنه، فقال الأستاذ علي بن عبد الله مباسطا، إنما هذا كله من عنديات عبد الله، فقالوا لي من أين رأيت ما قلته؟ فقلت رأيته في كتاب ( التذكرة ) للأنطاكي، فقال الشيخ مباسطا، أو تحسب أن أحدا لا يملك التذكرة سواك؟ فذهب في بهرة الليل، وقد تجلببت الأرض بالثلج، وتلوثت الطرقات بالأوحال، فخاضها الشيخ من دار الأستاذ إلى زاويته تحت أذيال الظلام، فلبث مليا، ثم رجع وفي يده الكتاب، فقال إن الذي أبطأ بي هو أني وجدت مجلس الفقراء قد خر سقفه، فوجدتهم واقفين متعجبين، فقلت لهم دعوا العمل واستريحوا إلى الصباح، فلا عمل مع الليل، فروجعت المسألة فوجدت كما قال الأستاذ بعينه.
بهذه الحكاية وأمثالها تعرف همم القوم في المسائل العلمية، فمن ذا الذي يخوض الثلج والأوحال من دار الأستاذ إلى الزاوية ذهابا وإيابا، في ظلمة الليل الحانك، مع أن ما بين الدار والزاوية غير متقارب، ثم لا يعوقه ما خر من سقف داره فيلغي ذلك كله لتتم استفادة الفائدة في الحين، حتى لا تؤجل إلى الغد، وما أصدق قول بعض الإلغيين في مثل ذلك:
لخوض الثلج والأوحال أولى *** لدى العلماء من خوض الجهالة
وخر السقف والجدران أولى *** من أن ينهار علم بالبطالة
يثيرون القرائح حول بحث *** قد اكتنفوه بينهم كهالة
فلا ينفك جمعهم لزاما *** إلى أن يستشف إلى الثمالة
بذلك يخدمون العلم حتى *** غدوا من بين كل الناس آله
فذلكم بنو إلغ ومن لا *** يكون كذلكم فأخو سفالة