الصفحة 783 من 9223

هذه هي الرسالة الفذة التي ظهرت بها ناحية أخرى من نفسية الأستاذ وحزمه، وأنه ممن يزن الأمور بما يراه من القسطاس، ولا يستهويه ما استهوى كل الناس، فقد حدثني بهذه الرسالة في السنة الماضية، وذكر أنها قليلة الجدوى، وإن عهده بها في شق من سقف بيت في داره، فألححت عليه أن يوصلها إلي، فبعثها فإذ هي قطع ممزقة، قد تطاير بعض أطرافها، وأتى القطع على سطور منها، ولكنها قليلة جدا، بل ما ذهب يبقى بعض حروفه للعيان فكان من سخرية القدر، بعد أن قرأتها فوجدتها درة يتيمة، وأدركت لها من القيمة ما لا يعرفه لها ربها الذي جعلها من سقط المتاع، طويتها في رق آخر، وكنت جلست عشية في سطح الزاوية، ثم قمت ونسيتها إلى ما بعد الغد، فأتاني بعض أولادنا بقطعة منها وجدها في المركع، فما كدت أرى القطعة حتى تذكرت فقمت كالمجنون أفتش عنها فلم أجد شيئا، وبعد أيام أتاني مؤذن الزاوية ببعض القطع الأخرى صادفها في فناء الحائط الخارجي تتلاعب بها الرياح، فأعدت قراءتها وقابلت بين قطعها، فإذا هي تكاد كلها تجتمع من جديد، على ما فيها من محو وتمزيق في الجمل غير قليل، ثم دفعتها إلى إنسان غير حاذق بالفهم ينسخ لي، فاعتراها من يده من التصحيف والتحريف وترك السطور بينها طامة جديدة، ثم تجددت ثانيا حين حررتها بيدي فأصلحت، وأتممت ما كان نسيه الناسخ أو كان ممزقا من الأصل الذي نسخ منه، وقد كنت رددت الأصل لربه، وبقيت هذه الرسالة العالية بعد ذلك في يد التاريخ، بعدما تجاوزت هذه العقبات التي كادت تأتي عليها، وهي الآن على كل حال بعد تخريجها وتتميم ما سقط منها خلقت خلقا جديدا بهذا الاعتناء.

ثم إن قول الأستاذ إن الأجانب خرجوا من فاس ليس الأمر كذلك، ولكنه معذور، لأنه كتب ما سمعه عن الوادرين ( وما آفة الأخبار إلا رواتها ) ولعل هؤلاء غرتهم وقعة فاس الشهيرة آخر أيام مولاي عبد الحفيظ، فبنوا عليها ما يشتهونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت