فهرس الكتاب
غبت عن البلد عشرين سنة، فحين كنت افتش في السنة الماضية، وقد عزمت على خدمة تاريخ إلغ بهرني ما أجده لصاحب الترجمة من القصائد والمقطعات الكثيرة، فسألت عنه فأخبرت أن قلمه ما هدا قط عن القريض، يلقي ما تيسر على عواهنه كيفما تيسر، ولا مقصود له إلا ترويج الأدب، مع إمعانه في الأشغال، فأعجبني ذلك منه غاية الإعجاب، وقد قلت له يوما وقد زارني هذه والله مزيتك التي انفردت بها وأما فلان وفلان فما كادا ينزجان في الأشغال حتى نسيا القرطاس والقلم، وألقيا ما تلقياه في المدارس ظهريا، فالله يجزيك عن الأدب، وعن حفظك لهذا الكنز الذي ما أدركه الأولون من الإلغيين إلا بعد جهد على جهد، فاستبشر محياه عند سماعه ذلك، فجزاني أيضا خيرا على حسن ظني به، وذلك كله يدل على أن محبة الأدب خالطت فؤاده، وجرت منه مجرى الدماء في العروق، ثم إن له مزية أخرى ظهرت لي منه هي طهارة السريرة وعدم كتمه ضغنا في صدره، فإنه كالماء الصافي في المنهل الذي صفقته الرياح يظهر لك كل ما في قرارته من حصباء بيضاء، ولا يخفى ذلك فهذه لعمري من مزايا الرجال، حفظه الله، وحفظ له ولده المحفوظ وإخواته.
آثاره:
اعتاد منا القارئ أن نطرق نواحي عديدة ممن نترجمهم، فنتعرض لأخلاقهم ولمشارطاتهم وللآخذين عنهم، ثم نتفرغ بعد ذلك لآثارهم، ولكن رآنا الآن وقد صمدنا للآثار من أول وهلة، حقا ذلك ما كان منا، لأننا رأينا أخلاق صاحب 193/2