فهرس الكتاب
ثم إن سيدي مباركًا لازم الشيخ المعدري متجردًا، فكان يخدم زاويته بجد، وقد أعطاه الله قوة عظيمة، لا يعيى معها من الخدمة, ولا من حمل الأثقال، وقد كان أحد الذين حفروا النطفية الكبرى في زاوية الشيخ، وقد تحير الشيخ كيف تبلط بالجير بعد حفرها، فقال له المترجم: إنما يجب أن يهيأ الجير ويخمر أسفل النطفية، ثم علىَّ أنا تمام العمل. ثم أمر بزيت وحناء فهيئا, أيضًا، فبكر سيدي مبارك إلى إخوانه السود وقد اجتمعوا في ( تيزنيت ( وهم في حفلتهم على عادتهم السنوية, يرقصون على طبولهم وأكبارهم ومزاميرهم، فوقف بينهم قائلا: إنما يريد الإنسان إخوته متى حزبه أمر عظيم، وأنا اليوم توقفت عليكم، فأريد منكم أن تذهبوا معي كلكم بياض يوم واحد إلى( المعدر) لعمل في زاوية شيخي. فأقبل بهم, وهم كثيرون، فنزلوا إلى النطفية، فصاروا يخبطون في الجير بأرجلهم الغليظة, ويتناولون بأيديهم الجير ويبلطون جدران النطفية على السلاليم, وهم يتغنون بألحانهم الخاصة، ولم يمض إلا قليل حتى أتموا العمل، فطلعوا ولطخوا أيديهم بالزيت أولًا, ثم بالحناء، فكفى الله المؤمنين القتال. فكان ذلك العمل الأبيض في صحائف هؤلاء السود ببركة المترجم.