الصفحة 8326 من 9223

ومن الكرامات الدالة على كثرة اجتهاده ويقينه الذي لم يقدر عليه أحد من أهل زمانه: لزومه الخلوة والعزلة حين انتقل من المسجد الكبير لداره أزيد من اثنى عشر سنة مستقبلا للقبلة، مشتغلا بقراءة القرآن وصلوات النوافل، حتى يسمع لرجز الطلبة في المجلس، فيخرج للقراءة فيرجع لمحله، ولا يدخل لدار العيال، ومتى أردته تجده في محله، ولا يكثر الكلام مع أحد في تلك المدة، حتى استخلف ولده في علم الظاهر، واتخذ الطريقة عن شيخه المذكور، ومن ثم نصب نفسه للفقراء، ولا يمل من مذاكرتهم، ويمرض يومًا أو يومين عند فراق الطوائف، ولا يحب من يؤكده على التخفيف من جهة الضيافة، ولا يقبل لأحد التبكير حتى يفطر، ولو في حرارة الصيف، ومن طلب منه التبكير يحكي له الندامات الأربع: ندامة اليوم، وندامة العام، وندامة العمر، وندامة لا تنقطع أبدًا. فندامة اليوم: من بات في مكان وانتقل بغير فطور إلا لعذر وقد فاته الفطور أمامه، يبقى نادمًا إلى أن يتعشى. وندامة العام: من فاته الحرث يندم حتى يحرق في العام القابل. وندامة العمر: الزوجة الخبيثة من سوء الخلق وغيره. وندامة لا تنقطع أبدًا: ندامة الآخرة، والعياذ بالله من الجميع. ولا بد أن يحكي هذه الندامات الأربع لمن طلب منه التبكير.

وكان، رضي الله، تعالى، عنه وعنا، أزهد الناس في الدنيا، فما تمسك منها بقليل ولا بكثير إلا بمقدار كفاية عياله، ويقول لنا: لولا ما تعلق بنا من العيال لأخرجت جميع ما في الدار للطلبة والفقراء، ويحذرنا كثيرًا من محبة الدنيا والرغبة فيها. وقال لي يومًا، ولم يكن عنده غيري: إياك وإياك أن تمد يديك لله طالبًا للدنيا. ومن ثم علمت أنها لم تصلح لي. وكان أكثر دعائي: اللهم وسع علينا في الدنيا ولا تزلها عنا ولا ترغبنا فيها، وأزهدنا فيها إنك على كل شيء قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت