فهرس الكتاب
(شيخنا المسن أبو محمد عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الملك بن الحسن المناني الداودي الحاحي. له جولة لقي فيها الأئمة والأعلام. ثم عاد وسكن موضعًا يقال له:(تافيلالت) بجبل (درن) بلد (زداغة) ، بموافقة سلطان وقته أبي محمد عبد الله بن محمد الشيخ. فقام هناك يعلم السنن والعقائد، ويرشد الخلق، ويحضهم على إقامة السنن والدين، وكان ذا أخلاق حسنة، عارفًا بزمانه، متحفظًا من أهله، يتوارى عن العامة، فلا يدخل إليه الزائرون إلا فيما بين السحر والفجر، ولا يدخل عليه نهارًا إلا من يباشر شئونه. اعتزل الفضول، عظيم الهمة، له نظر دقيق واحتياط في طريقي العبادة والعادة، أزهد الناس وأورعهم في ذلك، وقصده الناس لذلك من جميع آفاق (المغرب) ، وانتفعوا به في أمر دينهم. ومن عظيم بركته: أن كل ما يأتيه، وإن ملكت العجمة لسانه، أو طعن في السن والهرم، لا يرجع عنه إلا بحفظ عقيدته وفرضه وسنته، وإن كان لا يعرف حرفًا. وله في ذلك اختصار قريب عجيب. حضرت مجلس تذكيره مرة فأسمعنا حكمًا ومواعظ في الإنابة وتصفية الباطن، والتبري من الحول والقوة، والتحذير من شوائب الأعمال ورعونات النفس وحب الدنيا، والتأكيد على اتباع السنة ولزومها. وقد كنا في مجلسه بنحو خمسة من الطلبة، فقال: رد الطلبة لطريق الاستقامة أيسر، وهو كالبناء على الأساس، وهم أقرب للحق وحفظ الأدب مع الشيخ، والتماس حسن التأويل فيما لا يقف على حقيقته من كلامه. ثم أنشدنا:
ما كان من شيم الأبرار أن يسموا * بالفسق شيخًا على الخيرات قد جبلا
لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا * كسوه من حسن تأويلهم حللا