الصفحة 8502 من 9223

ثم بعد هذه القضية تم التواصل بين الخليفة والكنتافي، لا سيما بعد ما حضر الخليفة في الحرب الواقعة بين الكنتافي وأحمد بن علي البلفاعي، فقد ذهب في قنبل من فوارس أهله، فوجد الهزيمة واقعة على الكنتافي، وقد ولت عنه القبائل، ولم يبق معه إلا الجند المخزني وحده، فحمل هذا الشاب بأصحابه، ولم يقفوا حتى وصلوا موقف الكنتافي، فكانوا له خير إغاثة، فوقع ذلك من الكنتافي موقعًا حسنًا، فصار الرجل عنده ملحوظًا، ثم صاحبه معه إلى حرب (أيت وادريم) الأخيرة، فوقف إزاءه مدافعًا في موقف صعب كأنه أحد المواقف الموصوفة بقول المتنبي:

وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة * ووجهك وضاح وثغرك باسم

وفيما كتبناه عن القائد الناجم في (القسم الخامس) ذكر لهذه المعركة القاضية على الكنتافي (1) الذي ينبغي أن لا يقال فيه: (كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه) .

ثم لم ينفتل عن مكانه حتى جرح، فحمل إلى أهله، وقد كان بعد ذهاب الكنتافي من (تيزنيت) معزولًا إلى (مراكش) ، لحق به هناك ليشتري ما يشور به بنته التي يزوج بها عبد الله بن عياد، فنزل على الكنتافي، فقام له بكل ما يريد شراءه من الثياب والحلي، فأصدره وكله ثناء على جوده، ثم إنه لم ينشب أن خاض الحرب التي هلك فيها، وكم شبان من هذه الأسرة سقطوا في الحروب مقدمين غير محجمين كالحسن بن محمد، وأحمد بن محمد بن علي وأمثالهما.

وإنا لقوم ما نرى القتل سبة * إذا ما رأته عامر وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا * وتكرهه آجالهم فتطول

وما مات منا سيد حتف أنفه * ولا طل منا حيث كان قتيل

قال المؤرخ ابن الحبيب في محمد بن عبد السلام هذا:

(1) بودنا أن نكتب عن الكنتافي الذي كان أحد الرجال العظماء. فإن له من العقل والدين والعزوف ما امتاز به بين أقرانه. ولا يضره بعض ما فيه من الترفع الزائد على الناس . رحمه الله. فما كان إلا فذا من الأفذاذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت