الصفحة 8517 من 9223

ويباحثهم في العلم، وتظهر نجابته في ذلك لحدادة ذهنه وسرعة فهمه؛ يفهم المعنى قبل تصوره، ولربما تخطر علينا في مجلس الدرس عويصة تكل عنها أفهام الحاضرين، فيحلها حلًا حسنًا، ويقول: مرت علينا هذه القضية، أو مثلها، في المحل الفلاني من الكتاب الفلاني، وهذه القضية أخت القضية الفلانية شيء عجيب، وله خزانة كتب عريضة جمعت كل شاذة وفاذة يناهز عددها ألف كتاب من مطولات وغيرها من الكتب العربية تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وأخبارًا وتواريخ وصوفية. وكان على سنن آبائه المقدسين برحمة الله من نصرة الدين والغيرة عليه، لا تأخذه في الله لومة لائم، يدور مع الحق حيثما دار، وإذا أريد شيء من دينه كان أبعد من الثريا، ولم ينل منه المراد، أحيا كثيرًا من السنن، وأمات كثيرًا من البدع، مولعًا بأشعار العرب وأمثالها، لا يقاومه في ذلك أحد، وله مجلس بين الظهرين في مشور قصره، يحضره العلماء والأماثل لسماع الحديث الشريف وأخبار الناس وتواريخ الأمم الماضية، قل أن يسمع بكتاب من كتب الحديث والتفسير والسيرة والآثار إلا وسعى في تحصيله، وشرع في تدريسه، ولا شك أن هذا السيد ممن حبس نفسه لهذه المفخرة الغالية، وأفنى عمره في الدراية والرواية، كان في أول أمره مع الفقهاء مكبًا على صحيح البخاري في رمضان دائمًا، حتى ختمه معهم أكثر من عشر مرات، وحصل سماعه، فزين له الفقهاء أن يقتني كتب الصحاح الست، فقام بجد واجتهاد، فبذل فيها أمواله، فتملكها كلها، والحمد لله؛ تملك نسخة من صحيح مسلم مضبوطة غريبة الشكل لم يخل منها حرف واحد من الضبط، معينة للقارئ لا يحتاج معها إلى شرح يضبط ألفاظها، ومعها شرح الشيخ النووي، فجاءت بذلك كأنها العذراء تميس، وعليها، أيضًا، شرح الأبي وحاشية الشيخ السنوسي عليه، فلما ملكها شرع في قراءتها في أول المحرم الحرام فاتح سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة وألف، فختمت العام في أربعة أشهر قراءة بحث وفهم، فلما حضرت ساعة الختم بعث إليَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت