فهرس الكتاب
همته تنقب على الماء، وهو، مع هذا كله، ليس بشيء عند نفسه الكريمة، يرى نفسه كآحاد المسلمين، ويتواضع مع كل أحد لله رب العالمين، ويرى له تقليد السياسة ابتلاء، ويرنو إليها رنو ازدراء، ويتحاشى طبعًا من الدنيا وزخارفها الفانية، ويتجافى بقلبه عن معاطفها الواهية، ولكن أين الحذر من القدر؟ والمرء معذور في أحوال الشدة والرخاء، وقد يتعالج المريض بدواء الطبيب، وكان يعطي الورع حقه ويعمل فيه جده ورفقه، ولا يسترسل في الشهوات المباحات، فضلًا عن
المكروهات، والمقتصر العاقل على ضرورياته، لم يخف على دينه، إذ لو كانت الدنيا كلها جيفة، لكان قوت المؤمن منها حلالًا، وكان له ما يناهز المائتين من العبيد والخدم، والكل في مراقبته، يعرف الغائب والحاضر، والكل تحت رعايته، وكذلك له ما يناهز المائة من الخيل ومن المسماة منها بالحرائر، وتسمى، أيضًا: كنوزًا وحروزًا، ومن جملتها ما يبلغ منه الواحدة في الثمن مائة ناقة، بل لا تجد في الغالب من يبيعها إلا بشرط أن لا يخرجها لتبقى له حصة فيها، ولأربابها أعراف وقوانين في مصطلحهم على بيعها، يعني: خيلًا معروفًا عند الصحراويين.
ولوالدنا المقدس في مدح صاحب الترجمة عند مدح الشيخ البخاري وختمه، أنشدها في مجلس الختم قوله:
شفاء القلوب إذ تعنى وتسقم * حديث رسول الله إن كنت تعلم
حديث رسول الله أصل لديننا * وإيماننا والجهل وصف مذمم
فخير مجالس التقرب مجلس * به المصطفى المختار قدمًا يعظم
فكن قارئًا أو مقرئًا لحديثه * تنل كل عز تبتغيه وتغنم
ولذ بالصحاح الست صاح وخل من * إلى غيرها يصبو عمي ويصمم
وكن فطنًا إن البخاري أصحها * وأحسنها وهم بما صح أعلم
ختمنا بحول الله متن صحيحه * وبالله كل شيء يبد أو يختم
إليه جميع الناس في الغرب كله * وفي الشرق مفزع وملجأ ومعصم
بحضرة من أحيا المكارم واعتلى * على قنن المجد الذي ليس يهدم
ومن ظل يحكي الغيث فينا نواله * فيعطي جزيل ماله وهو يبسم