الصفحة 8525 من 9223

ومنظرًا قريبًا، وإذا هبت الرياح على ماء الصهريج تدفق ماؤه العذب الصافي، تدفق ماء البحر بأمواجه، فترى الحيتان بحشوه، فربما طلعت إلى سطح الماء وربما رسبت تنسرب فيه أسرابًا أسرابًا، ويتمنى الناظر لو ساعده الوقت ليطول مقامه بذلك المكان الفسيح، ويجد فيه القلب نشاطًا والأبدان راحة، ويتذكر فيه قول أبي نواس:

أربعة مذهبة * لكل هم وحزن

الماء والقهوة والـ * ـبستان والوجه الحسن

وقد جلب لحافته من أنواع الغرس شيئًا متنوعًا كثيرًا، يسقى من ماء الصهريج بآلة حديدية أظلت تلك الأشجار على مماشيه يمينًا وشمالًا طولًا وعرضًا، وبالجملة فغير خاف أن الماء من الضروريات التي يحتاج إليها كل أحد، ولا يمكن الاستغناء عنه أصلًا، فبالأخص في زمن المصيف تمس إليه الحاجة كثيرًا، وقد أكثر وبالغ صاحب الترجمة في التنقيب عليه في مظانه وتحصيله، وكابد فيه نفسه، وأتعبها فيه، رحمة وشفقة منه بسكان بلده، فمن ذلك ما أنفق على عين (الزيدانية) وعين (الركادة) القديمة شيء غير محصور، ولا زال قلبه عليهما في كل وقت وزمان يدور، ولم يحصل له اليأس من الكيفية التي يستخرج بها ماؤهما فيسر الله له ما يحب. ومن ذلك ما أنفقه على عين (أيدغ) ببسيط (أزاغار) ، إذ كانت عينه ضعيفة، تارة تحيا وتارة تموت، هذا ديدنها من قديم الأزمة إلى الآن، فأعمل فيها عزمه وجده، وأنفق عليها ماله وكده، وأدخل إليها الضرابة تحت الأرض، فساروا حتى وصلوا رأس العين فاشتغلوا فيه بالحفر أكثر من شهر لا يعرفون ليلهم من نهارهم، والمئونة كل يوم تصلهم مع الأمناء، حتى فتحوا من رقبة العين شيئًا يسيرًا، وذكروا أنها تقبل الزيادة وجاء ما فيه الكفاية الآن، وكذلك العين التي في وسط داره، فإنها كل سنة يصرف عليها أموالًا طائلة حتى اشترى لها غطاسًا ولا زال يسد بها الشقوق التي تمص ماءها مصًا بداخلها بالبصلانة والجير، وكذلك فعل بعين (أيغرم) أنفق عليها أموالًا عديدة حتى زاد ماؤها، ولا زالت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت