فهرس الكتاب
قطن فيها، وقد قلت لمن معي في معتقل (أغبالو نكردوس) إذ ذاك: إن الردانيين سيحمدون رياسته عليهم، فكان الأمر كذلك، فإنه زيادة عن ترفعه عما في أيديهم، يدافع ما أمكن له الدفاع عن المتهمين منهم، وكان يرى من الحكمة مسايرة الوقت، حتى إن مما يؤثر عنه: أنه يقول، كلما رأى طلل دار: لا تخرب إلا ديار الذين لا يسايرون ويقولون: (لا) ، وهذا رأيه دائمًا. ومن هنا أتي يوم طلب منه سرًا أن يعين في الكفاح بماله، وقد تكررت إليه الرسل من المكافحين، فيقول: لا يمكن أي نجاح لما يحاوله الوطنيون؛ لأن القوة التي تنجح بها الأمور تعوزهم، ومن ذا الذي يقاوم قوة (فرنسة) ، ولم يدر أن من القوة العزائم الثابتة في العصر الحاضر، وأن التكتل والإقدام والطلب الملح بكيفية منظمة قوة عظيمة في هذا العصر أكثر من قوة السلاح، حكى لي أنه لما عاين فجر الاستقلال، ورجوع الملك، وقد حضر لذلك في (الرباط) ، رجع وهو يثني على نظام الوطنيين متعجبًا منه، فأدرك إذ ذاك مقدار غلطه، ثم قال لأحد أخصائه: إننا اليوم أمام انقلاب عظيم في كل شيء. فكان كل ما قاله صحيحًا، فكان هو بنفسه ممن انقلب بهم الفلك، فانتهبت داره، وذهب به هو مسجونًا أولًا في يد جيش التحرير مع أمثاله، ثم نفذ فيه القضاء في الوقت الذي اعتقل فيه ابن بلا وإخوانه الجزائريون، وقد حكي لنا أنه كان يتلقى كل ما يقع له بثبات جأش، وبإيمان قوي، جعل الله ما وقع له كفارة له بمنه وكرمه، ولا يدخل بين الله وبين عباده أحد، والمعلوم عنه أنه إنما يساير لا أنه يحب المحتلين.
وقد ولد له أخيرًا، بعد ما كان في سني السبعين في عمره، ذكر ثم أنثى، وهما الآن حيان، والولد يناهز البلوغ اليوم 1383 هـ، وله من الأزواج أربع، ومع الرابعة كان ولادتهما.