الصفحة 8765 من 9223

ثم لاقنا السلطان بمجرد ورودنا في باب البوجات، فرحب بنا ومنانا كل خير، وقد وقف إزاءه صاحبه ونجيه إدريس منو، وبمحبوب خادمه الآخر لما كان يحدثنا، فقلت له بعد ما استتم كلامه معنا: يا سيدنا إن المصائب التي مرت بنا لا يعلمها إلا الله وحده، فقد عشنا سنين في مسغبة حتى لا نأكل إلا الحلزون، ومشينا راجلين يوم ماتت دوابنا جوعا حتى نقبت أرجلنا، وقد انقطعت عنا المئونة سنين فلا نراها إلا لماما، ثم نحن في كل ذلك صابرون محتسبون أعمالنا لوجه الله، ولم نخرج قط عن الأوامر السلطانية التي ترد علينا، فقط حاربنا في السهل والجبل، وتحاربنا مع أبي حمارة، في كل محل طرقه، وما استطاع لا هو و لا غيره أن ينال من سلاح دولتكم، ومن مدافعها ما يمكنه أن يباهي به، وقد غدر كثيرون ممن في الجيوش، ولكن لم يستطع أحد أن يزعم أننا خسنا قط المخزن عهدا، أو نقضنا وعدا، أو أننا تأخرنا قط، أمام عدو للدولة، فالآن ها نحن أولاء بين أيديكم يا سيدنا، فلا يسمعن فينا سيدنا كلام الحسدة والمنافسين، فإن كثيرين من المتاجرين في الذمم والأعراض ممن لا يرقبون في أمثالنا إلا ولا ذمة من أبناء فاس، وغيرهم قد أطلقوا فينا الألسنة يوم كنا نحارب في الميدان، فكنا بين نارين: نار العدو أمامنا، ونار الكاذبين والمرجفين وراءنا، ولولا تثبيت الله لنا وتوفيقه، لكنا بدورنا ممن نفضوا أيديهم من داركم هذه، ولكن نحمد الله تعالي على أن أحيانا في طاعتها، وجعلنا من جنودها، إلى أن توجتها سلطنتكم السعيدة الموفقة إن شاء الله، فقال السلطان: ولله لا ترون مني إلا كل خير إن شاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت