فهرس الكتاب
ثم كساهم كسوة جيدة، وحملهم على خيول عتاق، فلما جلس الوزير في مكتبه، ذهب إليه القواد ليسلموا عليه، فلامهم على أن طلبوا التحاقي بهم من السلطان، فاعتذروا له بأنهم ما فعلوا ذلك إلا رحمة بولد له رأوه يبكي شوقا إلى أبيه، فأرادوا أن يدخل فاسا ليراه ولده، وهي كذبة مكشوفة لفقوها ثم كتب إلي أحدهم بما وقع، لكني لم أذهب معهم، ثم التحقوا بجيشهم فالتقوا مع ذلك العبد، فهيأ الله لهم أن هزموه بعد ما جرح، ولولا جرحه ما انهزم، ثم انتهبوا معسكره عند حجر الكحيلة من وادي سبو، فتقدم إليهم أبو حمارة بنفسه، فالتقوا في بلد بني ورياغل، فوقعت ملحمة عظيمة استمات فيها الفريقان، فظهروا عليه وانتهبوا ما معه، واعتقلوا كثيرا من أصحابه، فكانت حادثة عظيمة على أبي حمارة في الوقت الذي ظن فيه أن أمره قد تمكن وقد استمرت الحرب إلى الليل، فاستدار الجيش بالثائر الثابت في موقفه، ولم يرد أن يفر هو من معه، وفي وسط الليل انسل من الحصار وقد حمل عبده المجروح، ثم تبعه الجيش إلى واد يسمى أوضير، فوقعت هناك ثانيا معركة أخرى تواقف فيها الفريقان أيضا متلازمين مستميتين، قال: ثم جاءنا الكلام نحن أن نتنقل من الحاجب فأمرنا أنا وأصحابي القواد الباقين أن نذهب إلى ذلك الجيش لننظم إليه في مقابلة الثائر، فبتنا في إخنافوف، وفي الصباح وصلنا إلى الجيش، فذهبت أنا إلى كبير العسكر محبوب، فصار يقول لي مباهيا: يا با الناجم، هذه راية أبي حمارة، وهذه موسيقاه، وهذه كنوزه، قد استحوذت أنا بنفسي عليها كلها، ورأيت أحجار الذهب الصامت الذي كان يحمله معه في جوالق البغال حيثما ذهب، كما كان يفعل بكل ما عنده، يفعل ذلك من الحزم الذي حنكه به الدهر، وقد ألف أن لا يستقر في محل خاص، فيريد أن لا يترك وراءه ما يلتفت إليه، قال: فقلت لمحجوب وأين أبو حمارة الآن؟ فقال: إنه مات وضربه الله، وانقضى أمره، وذهب مع الذاهبين، فقلت له، إذن وداعا، قلت له ذلك لما رأيت من غروره