فهرس الكتاب
بوعودة قال: هذا أبو عودة، وأنا أبو حمارة، فالله يأتي بأبي جمل، ثم التفت إلي وإلى الجالسين أجمعين فقال: تبا لكم يا أشباه الرجال فمتى كنتم رجالا في أعين الناس ونلتم السمعة بين أقرانكم؟ فبمن اكتنزتم ما اكتنزتم من الأموال والمتاع والخيل والبغال؟ أو لست أنا هو السبب في كل ذلك؟ فبفضلي ظهرتم وصرتم تتوصلون من خزانة الدولة المئونة، وبكل ما تقدمون فيه مطالبيكم؟ فهذا أمري اليوم قد انقضى، وستذهبون اليوم إلى حيث تقيعون وتتقعمون فتذودون الذباب وتهومون فأين رجولتكم وشهامتكم ومجادلتكم يا أبناء الكزازة والبخل والشح واللؤم؟ فلو كان فيكم عرق ينبض بالرجولة لما تركتموني بينكم هكذا أرتعد من شدة البرد وأنتم تنظرون، فنزع القائد إدريس الأديي سلهاما رقيقا فدفعه إليه، فرماه إليه بكل أنفة وقال: أبهذا الرقيق الشفاف يرد البرد القارص، ثم همس أحد أعواني في أذني بأن عنده بردة غليظة أن لاقت به، فذكرت لأبي حمارة، فقال اليتوني ولو بالحلس، فإن البرد قد بلغ مني مبلغا عظيما، فأتيناه بها فالتف فيها، ثم جمعنا طرفيها تحت ذقنه بشوكة، وهكذا أمضينا معه جل الليلة، وفي الصباح التحقنا بجيشنا، وبرئيسه محبوب، ثم أرت أن أتادب مع هذا الرئيس، فدخلت عليه بالمعتقل معتولا، فرحب بنا، فنطق القائد بوعودة قائلا لو لا أننا أغثناكم أمام مشهد مولاي عمران، لما نجحتم فقلت له مغضبا: لمثل ذلك الموقف يريد الإنسان إخوانه، ثم بعد قليل أعاد مثل ذلك الكلام ثانيا، ثم أعاده ثالثا، فأفلت زمام إرداتي من يدي، فلم أملك أن رفعت يدي فلطمت طنانة، ثم قمت فوضعت يدي على مسدسي، فثار من في القبة يحول بيني وبينه، فإذا بأبي حمارة نادى بين الجالسين بصوت عال، اهدءوا فأنا أفصل بينكم، ثم قال: ما هذا البهتان على الناجم؟ ثم التفت إلى أبي عودة، فقال له: في أية معركة أغثت القائد الناجم؟ فقد كنت أحاربه يوم كان معي ما أحارب به، وأما هذا اليوم فلم يكن معي إلا أهلي وحدهم