للإمام أبي الحسين علي بن عمر بن القصار المالكي
المتوفى سنة 397
بسم الله الرحمن الرحيم
وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
قال القاضي الجليل أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد المالكي البغدادي رحمه الله .
سألتموني ـ أرشدكم الله ـ أن اجمع لكم ما وقع إلي من الأدلة في مسائل الخلاف بين مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ وبين من خالفه من فقهاء الأمصار ـ رحمة الله عليهم ـ وأن أبين ما علمته من الحجج في ذلك .
وأنا أذكر لكم جملة من ذلك بمشيئة الله وعونه ، لتعلموا أن مالكا ـ رحمه الله ـ كان موفقا في مذهبه ، متبعا لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم [3]
وإجماع الأمة والنظر الصحيح ، وأن الله خصه بحسن الاختيار ولطيف الحكمة ، وجودة الاعتبار ، والله تعالى يوفقني وإياكم لما يقرب إليه ، ويزلف لديه .
وقد رأيت أن أقدم لكم بين يدي المسائل جملة من الأصول التي وقفت عليها من مذهبه ، وما يليق به مذهبه ، وأن أذكر لكل أصل نكتة ليجمع لكم الأمران جميعا ، أعني: علم أصوله ومسائل الخلاف من فروعه ، إن شاء الله تعالى . [4]
باب
الكلام في اختلاف وجوه الدلائل
اعلم أن للعلوم طرقا منها جلي وخفي ، وذلك أن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يمتحن عباده وأن يبتليهم فرق بين طرق العلم وجعل منها ظاهرا جليا ، وباطنا خفيا ، ليرفع الذين أويوا العلم كما قال عز وجل: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [ المجادلة: 11] .
والدليل علىأن ذلك كذلك: هو ان الدلائل لو كانت كلها جلية ظاهرة ، لم يقع التنازع وارتفع الخلاف ، ولم يحتج إلى تدبر ، ولا اعتبار ولا تفكر ، ولبطل الابتلاء ولم يحصل الامتحان ، ولا كان للشبهة [ 5] مدخل ولا وقع شك ولا حسبان ولا ظن ، ولا وجد جهول ؛ لأن العلم كان يكون طبعا ، وهذا فاسد ، فبطل أن تكون العلوم كلها جلية .