فهرس الكتاب
فالولي هو ذلك العبد الذي آمن بالله -عز وجل-: أي صدق به وبما جاء عنه سبحانه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- والتزم بشرعه ظاهرًا وباطنًا ثم داوم على ذلك بمراقبة الله سبحانه وملازمة التقوى والحذر من الوقوع فيما يسخطه عليه من تقصير في واجب أو ارتكاب لمحرم هذا العبد هو ولي الله -سبحانه وتعالى- يحبه وينصره ويبشره برضوانه وجنته. وعند فراقه للدنيا يرتفع عنه الخوف والحزن لما يكشف له من رحمة الله وبشارته.
وهذا المعنى يؤكده الحديث القدسي الذي أورده البخاري في صحيحه: (( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) ).
فهذا الحديث تضمن المعاني التي في الآية الكريمة:
جانب العبد: وهو أداء الفرائض ثم التقرب بالنوافل، وجانب الرب -عز وجل-: وهو محبته لذلك العبد ونصرته وتأييده ورعايته له في كل موقف وحفظه لجوارحه فيصبح عبدًا محفوظًا في جميع جوارحه، وهذا معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-، (( يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك .. ) ) (7) .
إن كرامات الأولياء:
-قد تكون تأييدًا وتثبيتًا للشخص.
-وقد تكون تأييدًا للحق.
ولهذا كانت الكرامات في التابعيين ومن جاء بعدهم أكثر من الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت ما يستغنون به عن الكرامات.
فالعاقل الذي يطلب الاستقامة لا الكرامة.
قال أبو علي الجوزجانى:"كن طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة".
قال الشيخ السهروردي في عوارفه:"وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير في الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب، وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبدًا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئًا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهمًا لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابًا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننا، فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا والخروج من دواعي الهوى وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب ومن كوشف بصدق اليقين أغنى بذلك عن رؤية خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينًا، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضوع استغناء به وتقتضي الحكمة كشف ذلك الآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك."
وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة" (8) ."
الكرامة قسمان:-""
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تعالى في العقيدة الواسطية:"ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات ..."
أثبت شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذا المقطع من عقيدته أن الكرامة قسمان:
1 -قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات.
2 -قسم يتعلق بالقدرة والتأثيرات.
أما القسم الأول فهو أن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره، والمكاشفات أن يكشف له من الأمور مالا يحصل لغيره.
مثال الأول: وهو أن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره: ما ورد عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته من الحمل، أعلمه الله بأنه أنثى.
ومثال الثاني: وهو أن يحصل للإنسان من الكشف ما لا يحصل لغيره: ما حصل للفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قصته المشهورة:"يا سارية الجبل".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)