ـ [ابو مريم الجزائري] ــــــــ [11 - 08 - 08, 10:41 م] ـ
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
نترجم اليوم لعالم من علماء الجزائر كانت حياته كلها كفاحا متواصلا و جهادا مضنيا، مما جعله مثار إعجاب الأقارب و الأباعد، و الأصدقاء و الأعداء على حد سواء، كفاح و صمود في سبيل طلب العلم و المعرفة و جهاد للدفاع عن دين الله الإسلام الصحيح و نشر الإصلاح و محاربة الطرقية و عباد القبور، و ناشري الخرافات و الخزعبلات، لقد انتقل و هو صغير بمجهوده الخاص على متن باخرة لنقل الحيوانات من الجزائر إلى مصر، ليلتحق بالجامع الأزهر الشريف و ينقطع عن أهله و بلده في غربة دامت سبع و عشرين سنة حتى أصبح من شيوخ الأزهر و مدرسيه، و بعد عودته إلى ارض الوطن وجد دعاة الطرقية و أصحاب بعض الزوايا أدعياء الدين له بالمرصاد فأعلنوها حربا لا هوادة فيها ضد هذا الأزهري - المارق في نظرهم - لكنه صبر و احتسب و بقي صامدا بعزيمة فولاذية إلى آخر يوم في حياته رحمه الله.
إسمه و مولده و أسرته:
محمد الرزقي بن محمد وعلي الشرفاوي، ينحدر من عائلة ابن القاضي التي كانت تحكم إمارة كوكو بجبال جرجرة، و لد سنة 1302 هـ / 1880 م بشرفة بهلول، و هي قرية لا تبعد كثيرا عن مدينة اعزازقة (تيزي وزو) .
ولد لأسرة تمتهن الفلاحة كغيرها من أسر بلاد زواوة الساكنة على سفوح جبال جرجرة الأشم.
نشأته و طلبه العلم:
نشأ وسط أسرة كبيرة العدد تمتهن الفلاحة كما قلنا، أدخله والده زاوية قريتهم شرفة بهلول لحفظ القرآن الكريم، انتقل بعدها الى زاوية احمد الإدريسي البجائي [العالم الفقيه الأصولي أستاذ العلامة ابن خلدون ت 760هـ] فانتظم في سلك طلبتها حيث تعلم العربية وعلومها، و حفظ بعض المتون في الفقه و التوحيد، و أتقن القرآن الكريم حفظا و رسما و تجويدا.
انتقل بعدها الى الجزائر العاصمة ليدرس بالمدرسة الثعالبية و هي من المدارس الرسمية لكنها محافظة على منهج التعليم الديني الإسلامي العربي، الذي لم يتأثر بسياسة الاستعمار الثقافية، وفي هذه المدرسة حضر دروس العلامة الشيخ عبد القادر المجاوي الذي تأثر به و بدروسه و افكاره، و هو الذي شجعه على الكتابة في مجلة التلميذ التي كانت تصدرها المدرسة الثعالبية، كما واظب على حضور دروسه الخارجية.
رحلته إلى مصر:
كان التلميذ الشرفاوي يسمع ثناء أساتذته عن علماء الأزهر الشريف و ينوهون و يستشهدون بأقوالهم و بأفكارهم، فتأثر أيما تأثر و تمنى ان يلتحق بهذا الجامع الشريف ليتخرج منه عالما يشار له بالبنان، و رسخت هذه الفكرة في رأسه فجمع مبلغا من المال، و يذكر لمن عرفه أنه سافر على ظهر باخرة من ميناء الجزائر العاصمة في رحلة - انتحارية - شاقة و مضنية كاد يهلك فيها، لأنه كان راكبا في الجزء المخصص للحيوانات، و لم يصل إلى الإسكندرية إلا بعد أن تقيأ مرات و كرات و لاقى من المصاعب التي أنهكت قواه و ألزمته الفراش أياما، انتقل بعدها إلى القاهرة ليلتحق بمساعدة بعض الطلبة المغاربة بدروس الأزهر الشريف،"... وقد التزم بعهد قطعه على نفسه [مع بداية الدراسة في الأزهر] ، وهو أن لا يكاتب أهله و لا يقرأ رسالة ترد عليه منهم حتى ينتهي من دراسته، فعل ذلك خشية أن يكون في تلك الرسائل ما يثير حنينه إليهم، و يشغله عن مواصلة الدراسة، و المثير في كل هذا انه وفى بهذا العهد الذي ابرمه على نفسه، و قضى قرابة أربعة عشر سنة دون أن يقرأ رسالة واحدة من الرسائل التي وردت عليه من الجزائر."
و كم كانت الفاجعة أليمة عندما أنهى دراسته بإحرازه على شهادة العالمية، و فتح رزمة الرسائل التي اجتمعت لديه طيلة كل هذه السنوات، فوجد واحدة تنعي إليه والدته، وأخرى تنعي إليه والده و ثالثة تنعى أخته، و رابعة تنعى إليه الأخ الأكبر، و خامسة تنعى إليه اخوين آخرين، و لا يمكننا تخيل وقع هذه الفواجع في نفسه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)