أما بعد، فإنه لما منَّ الله عليا بالهداية إلى الصراط المستقيم والدخول في دين الله القويم الناسخ لكل دين الذي بعث به حبيبه وصفيه محمد المجتبى وصفيه المرتضى صلى الله عليه وسلم ونظرت في دلائله القاطعة وبراهينه الساطعة فإذا هي لا تخفى على من له أدنى تمييز إلا من لا يبصر بيض النعام في الشونيز، وجدت تصانيف علمائنا الإسلاميين رضي الله عنهم محتوية على ما لا مزيد عليه إلا أنهم رحمهم الله قد سلكوا في معظم احتجاجهم على أهل الكتاب من النصارى واليهود مسلك مقتضيات المعقول، بل الحافظ محمد بن حزم رحمه الله قد رد عليهم بالمعقول والمنقول خصوصا ما في كتبهم، وأعرضوا عن الاحتجاج عليهم بمقتضى المنقول إلا في النادر من المسائل، فكنت شديد الحرص على أن أضع في الرد عليهم موضوعا بطريق النقل وحقيقة الإنصاف بالعقل يجمع بين النقل والقياس وتتفق عليه العقول والحواس أبينُ فيه باطل نواميسهم وإصمات نواقيسهم وما أسسوه من القول بالتثليث والأخذ بذلك المذهب الخبيث، وأذكر مع ذلك أناجيلهم ومن ألفها وشرائعهم ومن صنفها وفساد عقولهم وإبطال كفرهم في منقولهم وافترائهم على عيسى المسيح وكذبهم على الله في أمره بالتصريح، وأذكر مقال القسيسين واعتقادهم واحتيالهم وفسادهم وتركهم الإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام وجحدهم لما فيه من صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم نذكر بعد ذلك حقيقة قربانهم وسجودهم لصلبانهم أبعدهم الله وأخزاهم، حتى ألهمني الله إلى الرأي السديد في تأليف هذا المختصر السعيد وقد ابتدأت فيه بذكر بلدي ومنشئي ثم رحلتي عن ذلك المقام ودخولي في دين الإسلام والإيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم أتبعت ذلك بما غمرني من إحسان مولانا أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن فارس سلالة الأمراء الراشدين وبعض ما اتفق لي في أيامه ثم أيام ولده أمير المؤمنين أبي فارس عبد العزيز ونذكر طرفا من سيرته الحميدة وآثاره الجميلة.