فهرس الكتاب
ومن معالم التوحيد في الحج التلبية التي يعقد بها الحاج والمعتمر نسكه ، وتكون هي ذكْرُه الذي يكرُّره ، ويتقرب إلى الله به ؛ لبيك اللهمَّ لبيك ؛ لبيك لاشريك لك لبيك ؛ فهذه التلبية تتضمن الاستجابة لله عز وجل ، والإنابة إليه ، والمسارعة إلى أمره بالفعل ، وإلى نهيه بالترك وإلى خبره بالتصديق . ومعنى لبيك: أي ألبي دعوتك ، وأستجيب لأمرك مرةً بعد مرة ؛ فعلًا للمأمور ، وتركًا للمحظور ، وخضوعًا لقدرك المقدور ، فلك الحمد على ذلك كله ، فأنت المستحق للحمد على ما لك من الكمالات ، وما تسديه من النِّعم ، وتصرفه من النقم ؛ لذلك فإنِّي ألبي دعوتك ، وأستجيب لأمرك مرةً بعد مرة ، وكرَّةً بعد كرة ؛ توحيدًا لك ، وكفرًا بالطواغيت والشركاء ، فكما أنَّك ليس لك شريكٌ في الملك ؛ فكذلك ليس لك شريكٌ في العبادة ؛ وحيث أنَّ التلبية هي لبُّ التوحيد وخلاصته ؛ لذلك فإنَّ الشيطان لمَّا أوقع عمرو بن لحي الذي كان ملِكًا على مكة وما حولها زمنًا طويلًا ؛ حتى قيل أنَّه رأى العاشر من ولد ولده فوفد إلى ملوك الروم ، فرآهم يعبدون الأصنام ، فاستحسن عبادتها ، وأخذ له أصناما ، وكرَّ راجعًا فلمَّا قرب من مكة أراد أن يحرم بالعمرة ، ولبَّى قائلًا: لبيك اللهمَّ لبيك ؛ لبيك لاشريك لك لبيك ، فتمثل له الشيطان في صورة بشر ؛ وقال له: فيها زيادة ؛ قال: وماهي ؟ قال: إلاَّ شريكًا هو لك ؛ فكأنَّه اشمئز منها ، فقال: تملكه وما ملك ، فأدخل بهذه الكلمة الأخيرة ما قبلها من الشرك ؛ وهو قوله: إلاَّ شريكًا هو لك .