فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 242

إنها الحضارة المتوازنة التي تناسب طبيعة الأبدان والأكوان، وشفافية الأرواح والأذهان.

ولما كان أتباع هذا الدين الحنيف خلفاء لله في أرضه، ومستعمرين فيها، تطلعوا إلى إنقاذ البشرية كلها من مفاسد الانحراف عن الفطرة، وهدايتها إلى الطريق السوي، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى سادة الأرض وملوكها يدعوهم إلى الحق الواضح؛ وكان في طليعة هؤلاء المدعويين كسرى ملك الفرس، وقيصر سيد الروم، وكانت دولتاهما أعظم الدول قوة، وأوسعها رقعة، وأعتاها حكما، تقومان على إذلال الإنسان، واستعباده، وظلمه، لكن تلك الدعوة المباركة لم تجد في نفسي كسرى وقيصر أثرا صالحا، لأنهما رأيا فيها ذهاب ملكهما، وضياع عظمتهما.

فلما لم تفلح حكمة اللسان معهما، جاءت موعظة السّنان لتفهم هذين الجبارين في الأرض، أن الجبروت كله لله، يعطي ويمنع، ويرفع ويضع، ويعز ويذل، ويؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء.

فلم ينته عصر الراشدين المهديين إلا وبلاد الفرس والروم بأيدي المسلمين، بل اتسعت تلك الفتوحات في عهدهم، فشملت بلاد خراسان شرقا إلى أطرابلس الغرب، وباب الأبواب (الدّربند) ومناطق من آسيا الصغرى شمالا إلى جنوب جزيرة العرب؛ وبعض الجزر كقبرص ورودس، هذا إلى جانب غزوهم لمناطق كثيرة كجرجان، وطبرستان، وأذربيجان، وبلاد ما وراء النهر في الشرق، وبلاد النّوبة في الجنوب المصري.

ولم تقف تلك الفتوحات في عهد خلفاء بني أمية، بل امتدت لتشمل كافة بلاد السّند، وبعض بلاد الهند، وبلاد ما وراء النهر كبخارى وسمرقند والشاش والصّغد وفرغانة إلى حدود الصين، وبلاد المغربين الأوسط والأقصى، وبلاد الأندلس وجنوب فرنسة ـ فرنجة ـ كما قاموا بحصار حاضرة البيزنطيين «القسطنطينية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت