وقال عبد الواحد: أما قول من قال: كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام فإنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب فغير صحيح، لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل، وهو حقيقة إذا اطعلت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد علمت صيامه، لأنه ليس يرائى أحد الحفظة، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا أكل في الباطن، فإذا كف عن الأكل في الباطن وتمادى على ذلك فقد علمت صيامه، وليس أيضًا قول من تأول في قوله: {إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] ، أن مريم كانت صائمة في ذلك الوقت صواب، بدليل قوله تعالى في الآية: {وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم: 25، 26] ، فأخبر أن ذلك كان بعد أكلها وشربها، ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى قولها: {إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] ، أى إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام، إذا أمسك عن الكلام، فإن قيل: فكيف نذرت أن تمسك عن الكلام وقد قيل لها: {فَقُولِى} ؟ قيل: المراد هاهنا: تقول بالإشارة بدليل قوله بعد هذا: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم: 29] الآية، وقال زيد بن أسلم: كانت بنو إسرائيل يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام ولا يتكلمون إلا بذكر الله.
وقوله: « لخلوت فم الصائم » بضم الخاء، هو مصدر خلف فمه يخلف يعنى تغير رائحته في آخر النهار، لأن الفم يتغير بترك الطعام، قال أبو عبيد: خلف اللبن وغيره: تغير ريحه وطعمه، وقال صاحب العين الخالف: اللحم المتغير الريح، قال الخطابى: فأما الخلوف بفتح الخاء،فهو الذى يعد ثم يخلف، قال النمر بن تولب:
جزى الله عنى جمرة ابنة
نوفل جزاء خلوف بالخلافة كاذب