-فيه: مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَنَا - أَنَا وَصَاحِبٍ لِى: « أَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا » .
إن قال قائل: إباحته - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث وصاحبه أن يؤذنا ويقيما عند انصرافهما من عنده، يعارض قوله - صلى الله عليه وسلم -: « الراكب شيطان، والراكبان شيطانان » ونهيه أن يسافر الرجل وحده.
قيل: ليس كما توهمت؛ لأنه لا يجوز على أخباره التضاد.
قال الطبرى: ونهيه عن سفر الرجل وحده والاثنين نهى أدب وإرشاد لما يخشى على فاعل ذلك من الوحشة بالوحدة لا نهى تحريم، وذلك نظير نهيه عن الأكل من وسط الطعام، وعن الشرب من في السقاء، والنهى عن المبيت على السطح غير المحجور، وكل ذلك تأديب لأمته، وتعريف لهم منه ما فيه حظهم وصلاحهم، لا شريعة ودين يحرجون بتضييعه وترك العمل به، فالعامل محتاط لنفسه من مكروه يلحقه إن ضيعه.
وذلك أن السائر في فلاة وحده والبائت في بيت وحده إذا كان ذا قلب مخيف وفكر رديء لم يؤمن أن يكون ذلك سببًا لفساد عقله، والنائم على سطح غير محجور عليه غير مأمون أن يقوم بوسن النوم وغمور فهمه فيتردى منه فيهلك، والشارب من في السقاء غير مأمون عليه انحدار ما خفى عليه استكنانه من الهوام القاتلة في السقاء فيهلك أيضًا، وكذلك المسافر مع آخر قد يخشى من غائلته ولا يأمن مكره، فإذا كانوا ثلاثة أمن ذلك في الأغلب، وهذا وما أشبهه من تأديبه - صلى الله عليه وسلم - لأمته.