قالوا: ولو كان لقرابة رسول الله حظ لكانت فاطمة ابنته بينهم؛ إذ كانت أقربهم إليه نسبًا، وأمسهم به رحمًا، فلم يجعل لها حظا في السبى، ولا أخدمها، ولكن وكلها إلى ذكر الله وتحميده وتهليله الذى يرجو لها به الفوز من الله، والزلفى عنده.
قال الطبرى: ولو كان قسمًا مفروضًا لذوى القربى لأخدم ابنته، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - ليدع قسمًا اختاره الله لهم وامتن به عليهم؛ لأن ذلك حيف على المسلمين، واعتراض لما أفاء الله عليهم، فأخدم منه ناسًا، وتركه ابنته، ثم لم تدع فيه - رضى الله عنها - حقا لقرابة حين وكلها إلى التسبيح، ولو كان فرضًا لبينه تعالى كما بين فرائض المواريث.
قال الطحاوى: وبذلك فعل أبو بكر وعمر بعد النبى - - صلى الله عليه وسلم - - قسما جميع الخمس، ولم يريا لقرابة رسول الله حقا، خلاف حق سائر الناس، ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله، ولا خالفهما فيها، إذا ثبت الإجماع من أبى بكر وعمر وجميع أصحاب النبى - - صلى الله عليه وسلم - - ثبت القول به، ووجب العمل به، وترك خلافه، وكذلك فعل على لما صار الأمر إليه، حمل الناس عليه، على ما ثبت في الباب.
قال المهلب: الأثرة بينة في هذا الحديث، وذلك أن ابنة النبى لما استخدمته خادمًا، فعلمها من تحميده وتسبيحه وتكبيره ما هو أنفع لها بدوم النفع، وآثر بذلك الفقراء الذين كانوا في المسجد؛ قد أوقفوا أنفسهم لسماع العلم، وضبط السنن على شبع بطونهم، لا يرغبون في كسب مال ولا راحة عيال، فكأنهم استأجروا أنفسهم من الله بالقوت، فكان إيثار النبى لهم، وحرمان ابنته دليل واضح أن الخمس مرقوب للأوكد فالأوكد، وليس على من ذكر الله بالسوية - كما زعم الشافعى - لأنه آثر المساكين على ذوى القربى، وهم مذكورون في الآية قبلهم، وإنما الأمر موكول فيه إلى اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - ، له أن يحرم من يشاء، ويعطى من يشاء.
وفيه: أن طلبة العلم مقدمون في خمس الغنائم على سائر من ذكر الله له فيها اسمًا.