قال الطبرى: معناهما واحد، وهو أمر بمعنى الإطلاق والإذن للأكل، لا بمعنى الإيجاب، وذلك أنه لا خلاف بين سلف الأمة وخلفها أن المضحى غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم، فدل إجماعهم على ذلك أن الأمر بالأكل منها بمعنى الإذن والإطلاق.
فإن قيل: اذكر لنا بعض من قال ذلك.
قيل: سئل مجاهد وعطاء عن الذى لا يأكل من أضحيته، قالا: إن شاء لم يأكل منها، قال الله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} أ رأيت إن لم يصطد؟.
وقال إبراهيم: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. وقال سفيان: لا بأس ألا يأكل منها ويطعمها كلها.
قال الطبرى: وهو قول جميع أئمة الأمصار.
فإن قيل: فهل روى عن أحد من السلف أنه كان يطعم منها غنيًا أو من ليس بمسلم؟
قيل: نعم، قد روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: كان عمر يبعث إلينا من فضول الأضاحى بالرءوس والأكارع.
وقال الحسن: لا بأس أن تطعم من أضحيتك جارك اليهودى والنصرانى والمجوسى.
فإن قيل: فكم مقدار ما يستحب له أن يأكل منها، ومقدار ما يتصدق به؟
قيل له: يستحب له أن يتصدق بثلثها، ويأكل ثلثها، وُيطعم الجيران ثلثها؛ لأن ذلك كان يفعله بعض السلف، وأما قدر ما ينبغى له أن لا يقصر في أكله منها فبضعة؛ لأن النبى قد ورد عنه « أنه أمر أن يطبخ من كل بدنة من بدنه التى نحرها بضعة، فأكل منها وتحسى من مرقها » .
وروى عن على « أنه ذبح أضحيته، فشوى كبدها وتصدق بسائرها، ثم أخذ رغيفًا وكبدًا بيده الأخرى فأكل » .
وقال سفيان الثورى: إن أراد أن لا يتصدق من أضحيته بشىء، قال: لا ينبغى له، ولكن إن تصدق بلقمة أجزأه.
بسم الله الرحمن الرحيم
26 -كتاب الأشربة
1 -بَاب قوله اللَّه تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية [المائدة: 90]