قال المؤلف: والمعنى الثانى: أن يكون نهيه عليه السلام عن التنفس في الإناء في حديث أبى قتادة إذا شرب مع من يكره تنفسه فيه ويتقذر الشرب منه، كما تقدم في الباب قبل هذا وإذا شرب مع من لا يتقذر منه فالتنفس له مباح، ولذلك تنفس عليه السلام؛ لعلمه برغبة الناس فيما يتنفس فيه؛ ليدل أمته على إباحة ذلك ممن لا يتقذر بنفسه، ألا ترى أنه مج في وجه محمود بن الربيع مجة فكانت له بذلك فضيلة، وهذا الوجه أولى بالصواب؛ لأن عامة الفقهاء لا يختلفون أنه لو تنفس في الشراب لم يحرم بذلك.
واختلفوا هل يجوز الشرب بنفس واحد، فروى عيسى عن ابن القاسم، أن مالكًا سئل عن قول الرجل للنبى - صلى الله عليه وسلم -: « إنى لا أروى من نفس واحد، فقال له عليه السلام: فأبن القدح عن فيك » فقال مالك: أرى ذلك رخصة أن يشرب من نفس واحد ما شاء.
يريد مالك أن النبى لما لم ينه الرجل أن يشرب من نفس واحد، وقال له: « أبن القدح عن فيك » عُلم أن ذلك كالإباحة، وقد روى عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبى رباح أنهما أجازا الشرب بنفس واحد.
قال ميمون بن مهران: رآنى عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب، فجعلت أقطع شرابى وأتنفس، فقال: إنما نُهى أن يتنفس في الإناء، فأما إذا لم تتفس في الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد.
وروى عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهية الشرب بنفس واحد، وقالوا: هو شرب الشيطان.
وقول عمر بن عبد العزيز تفسير لهذا الباب وأصل له.
25 -بَاب الشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ