قال المهلب: في هذا الحديث فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال، ومما ينجى الله به من النار، وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزى المعتق للعبد بالعتق من النار، وإن كانت صدقة تصدق عليه في الآخرة، وهذا الحديث يبين أن تقويم باقى العبد على من أعتق شقصًا منه إنما هو لاستكمال عتق نفسه من النار، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار، وهذا أولى من قول من قال: إنما ألزم المعتق باقيه ليكمل حرمة العبد، وتتم شهادته وحدوده، وهو قول لا دليل عليه.
2 -بَاب أَىُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟
(1) /2 - فيه: أَبُو ذَرّ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ، عَلَيْهِ السَّلام: أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: « إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِى سَبِيلِهِ » ، قُلْتُ: فَأَىُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: « أَغْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا » ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: « تُعِينُ ضَائعًا، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ » ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: « تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ » .
قال المهلب: وإنما قرن الجهاد في سبيل الله بالإيمان به؛ لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هى العليا، وحتى يفشو الإسلام وينتشر، فكان الجهاد ذلك الوقت أفضل من كل عمل.
وقوله: « أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها » ، فمعنى ذلك أن من اشتراها بكثير الثمن، فإنما فعل ذلك لنفاستها عنده، ومن أعتق رقبة نفيسة عنده وهو مغتبط بها، فلم يعتقها إلا لوجه الله، وهذا الحديث في معنى قوله: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] ، وكان لابن عمر جارية يحبها فأعتقها لهذه الآية، ثم ابتغتها نفسه، فأراد أن يتزوجها فمنعه بنوه، فكان بعد ذلك يقرب بنيها من غيره لمكانها من قلبه.
(1) - سبق تخريجه.