قد روى عن مالك في حديث الضب أن النبى، عَلَيْهِ السَّلام، أمر ابن عباس، وخالد ابن الوليد بأكل الضب في بيت ميمونة، فقالا له: ألا تأكل يا رسول الله؟ فقال: « إنى يحضرنى من الله حاضرة، يعنى الملائكة الذين يناجيهم، ورائحة الضب ثقيلة » ، فلذلك تقذره، عَلَيْهِ السَّلام، خشية أن يؤذى الملائكة بريحه. في هذا من الفقه أنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته بأكله ولذمه، وإنما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، وأخذ الصدقة منزلة ضعة؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلام: « اليد العليا خير من اليد السفلى » ، والأنبياء منزهون عن منازل الضعة والذلة، وأيضًا فلا تحل الصدقة للأغنياء، وقد عدد الله على نبيه أنه وجده عائلًا فأغناه، فلهذا كله حرمت عليه الصدقة.
وقوله في لحم بريرة: « هو لها صدقة ولنا هدية » ، وقوله: « قد بلغت محلها » ، فإن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، فلما أهدتها بريرة إلى بيت مولاتها عائشة حلت لها وللنبى - صلى الله عليه وسلم - ، وتحولت عن معنى الصدقة لملك المتصدق عليه بها، ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلام: « وهى لنا من قبلها هدية، وقد بلغت محلها » ، أى قد صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على المعهود منه، عَلَيْهِ السَّلام، وليس ذلك شأن الصدقة، وقد تقدمت هذه المعانى في موضع آخر.
7 -بَاب مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ
وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ