فهرس الكتاب

الصفحة 3902 من 6439

قال الطحاوى: واحتج أهل المقالة الأولى بما روى شعبة وهشام، قالا: حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « العائد في هبته كالعائد في قيئه » ، قالوا: فبان بهذا الحديث أن المراد العائد في قيئه الرجل لا الكلب، ولما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل الرجوع في الهبة، كالرجوع في القىء، وكان رجوع الرجل في قيئه حرامًا عليه، كان كذلك رجوعه في هبته.

وحجة الكوفيين قوله: « كالكلب يعود في قيئه » ، فبان بهذا الحديث أن العائد في قيئه هو الكلب، والكلب غير متعبد بتحليل ولا بتحريم، فيكون المعنى العائد في هبته كالعائد في قدر كالقدر الذى يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الواهب من الرجوع في هبته، فدل هذا أنه عَلَيْهِ السَّلام أراد تنزيه أمته عن أمثال الكلاب؛ لأنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم، ويصلح الاحتجاج بهذه الحجة لمالك.

قال الطحاوى: واحتج أهل المقالة الأولى بحديث طاوس، عن ابن عباس، وابن عمر، أن النبى، عَلَيْهِ السَّلام، قال: « لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده » ، ولا دليل لهم فيه على تحريم الرجوع في الهبة، فقد يجوز أن يكون النبى، عَلَيْهِ السَّلام، وصف ذلك الرجوع بأنه لا يحل؛ لتغليظه إياه لكراهته أن يكون أحد من أمته له مثل السوء.

وقد قال عَلَيْهِ السَّلام: « لا تحل الصدقة على ذى مرة سوى » ، فلم يكن ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الغنى، ولكنها لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوى الحاجة والزمانة، فكذلك قوله: « لا يحل للواهب أن يرجع في هبته » ، إنما هو على أنه لا يحل له ذلك، كما تحل له الأشياء التى قد أحلها الله له.

وقال الطبرى: قوله عَلَيْهِ السَّلام: « العائد في هبته » ، معناه الخصوص، وذلك لو أن قائلًا قال: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، إلا أن يكون والدًا للموهوب له، أو تكون هبته لثواب يلتمسه، فإنه ليس له مثل السوء، لم يكن مختلًا في كلامه، ولا مخطئًا في منطقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت