واحتج أهل المقالة الأولى بأن عبد الله بن عمر، روى عن النبى، عليه السلام، أنه فعل في جويرية بنت الحارث مثل ما فعله في صفية أنه أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عنه. وقال أهل المقالة الثانية: لا حجة في خبر جويرية أيضًا؛ لأن ابن عمر رواه عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال: إنه خاص له.
قال الطحاوى: فنظرنا في عتق النبى - صلى الله عليه وسلم - جويرية كيف كان، فروى ابن إسحاق عن عمر بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، أنه لما أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، فكاتبت على نفسها وجاءت تستعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابتها، فقال لها: « هل لك في خير من ذلك، أقضى عنك كتابتك وأتزوجك؟ » ، قالت: نعم، فتزوجها.
فبينت عائشة العتاق الذى ذكره ابن عمر الذى جعله مهرها أنه أداه عنها كتابتها لتعتق بذلك الأداء، ويكون مهرًا لها، فلما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل ذلك مهرًا لها كان ذلك له خاصًا دون أمته، كما كان له خاصًا أن يجعل العتاق الذى تولاه هو مهرًا.
فإن قال قائل: قد رأيت الرجل يعتق أمته على مال فتقبل منه، فتكون حرة، ويجب له عليها ذلك المال، فما ننكر إذا أعتقها على أن عتقها صداقها فقبلت ذلك منه أن تكون حرة، ويجب ذلك له عليها. قيل: إذا أعتقها على مال فقبلت ذلك منه وجب لها عليه العتاق، ووجب له عليها المال، فوجب لكل واحد منهما بذلك العقد سببًا أوجبه له ذلك العقد لم يكن مالكًا له قبل ذلك.
وإذا أعتقها على أن عتقها صداقها، فقد ملكها رقبتها على أن ملكيته بضعها، فملكها رقبة هو لها مالك، ولم تكن هى مالكة لها قبل ذلك، على أن ملكته بضعًا هو له مالك قبل ذلك، فلم تملكه بذلك العتاق شيئًا لم يكن له مالكًا قبله، وإنما ملكته بعض ما قد كان له، فلذلك لم يجب عليها بذلك العتاق شىء، هذه حجة على من يقول: تكون له زوجة بالعتاق الذى هو الصداق.