قال المهلب: وفى هذا دليل على أن الرجل إذا عضل وليته وثبت عضله لها يفتئت عليه السلطان فيزوجها بغير أن يأمره بالعقد لها، ويرده عن العضل كما رد النبى، عليه السلام، معقلًا عن ذلك العقد، ولم يعقد النبى - صلى الله عليه وسلم - ، بل دعاه إلى العقد بالحنث في يمينه، إذ عقده لأخته على من تحبه خير من إبرار اليمين، وأيضًا قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] ، وقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ، فلم يخاطب بالنكاح غير الرجال، ولو كان على النساء لذكرن في ذلك.
قال الطبرى: في حديث حفصة حين تأيمت، وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هى، إبطال قول من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها، وعقد النكاح عليها دون وليها، ولو كان لها ذلك لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع خطبة حفصة إلى نفسها، إذ كانت أولى بنفسها من أبيها، ولخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها، وفيه بيان قوله عليه السلام: « الأيم أحق بنفسها من وليها » ، أى أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا ينعقد عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عليها عقدة نكاح دون وليها. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه خلاف ما قلنا.
وقول عائشة: إن النكاح كان على أربعة أنحاء، فنكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل ابنته أو وليته، حجة في أن سنة عقد النكاح إلى الأولياء.
فإن قال من أجاز بغير ولى: فقد روى عن عائشة خلاف هذا، وهو ما رواه مالك في الموطأ أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب، فلما قدم قال: مثلى يفتأت عليها في بناته؟ وهذا يدل أن مذهبها جواز النكاح بغير ولى.