واحتج الكوفيون بما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وسالم، والقاسم، وفقهاء المدينة أنهم كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها، ثم أتم، أن ذلك لازم له إذا نكحها، وتأولوا قوله: « لا طلاق قبل نكاح » ، أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق، أو عبد فلان حر، وهذا ليس بشىء، وأما أن يقول: إن تزوجت فلانة فهى طالق، فإنما طلقها حين تزوجها وكذلك في الحرية يريد إن اشتريتك فأنت حرة.
قالوا: ومثله « لا نذر لابن آدم فيما لا يملك » ؛ لأنه يحتمل أن يلزمه فيه النذر إذا ملكه، قالوا: وأيضًا فقد جاء الحديث: « لا طلاق إلا بعد نكاح » ، وليس فيه لا عقد طلاق، وهو الذى أجزناه وشبهه لعلة الاحتباس أنه يجوز فيها الصدقة من قبل أن تخلق في ملكه.
واحتج الأبهرى لقول مالك، فقال: إذا سمى امرأة أو قبيلة أو بلدة، فإنه يلزمه عقد الطلاق؛ لأنه ليس بعاص في هذا العقد، وكل من عقد عقدًا ليس بعاص فيه، فالعقد له لازم وعليه الوفاء به؛ لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ، وقوله تعالى: {يوفون بالنذر} [الإنسان: 7] ، والنذر في لسان العرب إيجاب المرء على نفسه شيئًا، وإن لم يكن في ملكه، يدل على ذلك قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] الآية، فثبت بهذا أنه يلزمه ما ألزم نفسه وإن لم يكن في ملكه، ومخالفنا يقول: إن أوجب على نفسه نذر عتق أو صدقة درهم قبل ملكه أن ذلك يلزمه، فكذلك عقد الطلاق، فأما إذا عم النساء، فإن ذلك معصية؛ لأنه قصد منع نفسه النكاح الذى أباحه الله له، فلا يصح عقده؛ لقوله عليه السلام: « من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد » .
10 -بَاب إِذَا قَالَ لامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِى، فَلا شَىْءَ عَلَيْهِ
قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: هَذِهِ أُخْتِى، وَذَلِكَ فِى ذَاتِ اللَّهِ » .