وقال الشافعى: إذا كان من السبب الذى حكم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبت القسامة، كانت خيبر دار يهود محضة، وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا قبل الليل، فيكاد يغلب على من سمع هذا أنه لم يقتله إلا بعض اليهود. وكذلك قال أحمد: إذا كان بين القوم عداوة كما كان بين أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود.
ووجه قول مالك أن قول المقتول تجب به القسامة، أن الغالب من الإنسان أنه يتخوف عند الموت ويجهد في التخلص من المظالم، ويرغب فيما عند الله ويحدث توبة ولا يقدم على دعوى القتل ظلمًا فصار أقوى من شهادة الشاهد، وأقوى من قول الشافعى أن الولى يقسم إذا كان بقرب وليه وهو مقتول ومع الرجل سكين؛ لأنه يجوز أن يكون غيره قتله، فضعف هذا اللوث، ووجب أن يستعمل ما هو أقوى منه، وهو قول المقتول: دمى عند فلان.
قال ابن أبى زيد: وأصل هذا في قصة بنى إسرائيل حين أحيا الله الذى ضرب بالبقرة، وقال: قتلنى فلان، فهذا يدل على قبول قول المقتول: دمى عند فلان؛ لأنه كان في شرع بنى إسرائيل، وسواء كان قبل الموت أو بعده.
واختلفوا في العدد الذين يحلفون ويستحقون الدم، فقال مالك: لا يقسم في دم العمد إلا اثنان فصاعدًا ترد الأيمان عليهما حتى يحلفا خمسين يمينًا وذلك الأمر عندنا، والحجة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - عرضها على ولاة الدم بلفظ جماعة، فقال: « أتحلفون وتستحقون » وأقل الجماعة اثنان فصاعدًا.
وقال الليث: ما سمعت أحدًا ممن أدركت يقول أنه يقتصر على أقل من ثلاثة.
وقال الشافعى: إذا ترك وارثًا استحق الدية بأن يقسم وارثه خمسين يمينًا.
واحتج له أبو ثور: فقال: قد جعل الله للأولياء أن يقسموا، فإن لم يكن إلا واحدًا كان له ذلك، ولو لم تكن إلا ابنة وهى مولاته حلفت خمسين يمينًا، وأخذت الكل: النصف بالنسب والنصف بالولاء.
قال ابن المنذر: وفى قوله: « تستحقون » دليل على ألا يمين لغير مستحق، وعلى ألا يحلف إلا وارث.