وروى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعى ومالك فيمن سب النبى - صلى الله عليه وسلم - قالا: هى ردة يستتاب منها فإن تاب نكل، وإن لم يتب قتل.
وقال الكوفيون: من سب النبى - صلى الله عليه وسلم - أو عابه فإن كان ذميا عزر ولم يقتل. وهو قول الثورى وأبى حنيفة وإن كان مسلمًا صار مرتدًا يقتل ولم يقتلهم النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبه - صلى الله عليه وسلم - .
وحجة من رأى القتل على الذمى بسبه أنه قد نقض العهد الذى حقن دمه؛ إذا لم يعاهد على سبه، فلما تعدى عهده عاد إلى حال كافر لا عهد له فوجب قتله إلا أن يسلم؛ لأن القتل إنما كان وجب عليه من أجل نقضه للعهد الذى هو من حقوق الله، فإذا أسلم ارتفع المعنى الذى من أجله وجب قتله.
وقال محمد بن سحنون: وقولهم إن من دينهم سب النبى - صلى الله عليه وسلم - فيقال لهم: وكذلك من دينهم قتلنا وأخذ أموالنا، فلو قتل واحدًا منا لقتلناه لأنا لم نعطهم العهد على ذلك، وكذلك سبه - صلى الله عليه وسلم - إذا أظهر.
فإن قيل: فهو إذا أسلم وقد سب النبى - صلى الله عليه وسلم - تركتموه، وإذا أسلم وقد قتل مسلمًا قتلتموه.
قيل: لأن هذا من حقوق العباد لا يزول بإسلامه، وذلك من حقوق الله يزول بالتوبة من دينه إلى ديننا، وحجة أخرى وهو أن الرسول قال: « من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله » فقتله محمد بن مسلمة، والسب من أعظم الأذى، وكذلك قتل - صلى الله عليه وسلم - ابن خطل يوم فتح مكة والقينتين اللتين كانتا تغنيان بسبه، ولم ينفع ابن خطل استعاذته بالكعبة.
وقال محمد بن سحنون: وفرقنا بين من سب النبى - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين، وبين من سبه من الكفار، فقتلنا المسلم ولم نقبل توبته؛ لأنه لم ينتقل من دينه إلى غيره، إنما فعل شيئًا حده عندنا القتل، ولا عفو فيه لأحد، فكان كالزنديق الذى لا تقبل توبته؛ لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر، والكتابى كان على الكفر، فلما انتقل إلى الإسلام بعد أن سب النبى - صلى الله عليه وسلم - غفر له ما قد سلف، كما قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] .