قال المؤلف: في هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب طاعته لازمة، ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: « سترون بعدى أثرةً وأمورًا تنكروها » فوصف أنهم سيكون عليهم أمراء يأخذون منهم الحقوق ويستأثرون بها، ويؤثرون بها من لا تجب له الأثرة، ولا يعدلون فيها، وأمرهم بالصبر عليهم والتزام طاعتهم على ما فيهم من الجور، وذكر على بن معبد، عن على بن أبى طالب أنه قال: لابد من إمامة برة أو فاجرة. قيل له: البرة لابد منها، فما بال الفاجرة؟ قال: تقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويقسم بها الفئ، ويجاهد بها العدو. ألا ترى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس: « من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهليةً » . وفى حديث عبادة: « بايعنا رسول الله على السمع والطاعة » إلى قوله: « وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا » فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة، وألا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام ويظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة لمخلوق عليه، وقد تقدم في كتاب الجهاد، وكتاب الأحكام هذا.
قال الخطابى: « بواحًا » يريد ظاهرًا باديًا، ومنه قوله: باح بالشىء يبوح به بوحًا وبئوحًا، إذا أذاعه وأظهره ومن رواه « براحًا » فالبراح بالشىء مثل البواح أو قريب منه، وأصل البراح الأرض القفر التى لا أنيس ولا بناء فيها، وقال غيره: البراح: البيان، يقال: برح الخفاء أى ظهر.
3 -باب قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -: « هَلاكُ أُمَّتِى عَلَى يَدَ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ »
(1) - أخرجه أحمد (2/324) قال: حدثنا روح. والبخارى (4/242) قال: حدثنا أحمد بن محمد المكى. وفى (9/60) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل.
ثلاثتهم - روح بن عبادة، وأحمد بن محمد، وموسى بن إسماعيل - عن أبى أمية، عن عمر بن يحيى ابن سعيد بن العاص الأموى. قال: أخبرنى جدى سعيد بن عمرو بن سعيد، فذكره.