قال صاحب الأفعال: أحفى الرجل في السؤال: ألح، وفى التنزيل {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} [محمد: 37] أى يلح عليكم فيما يوجبه في أموالكم، ولما ألحوا على النبى - صلى الله عليه وسلم - في المسألة كره مسائلهم وعز على المسلمين ما رأوا من الإلحاح على النبى - صلى الله عليه وسلم - والتعنيت له، وتوقعوا عقوبة الله أن تحل بهم؛ ولذلك بكوا، فمثل الله له الجنة والنار، وأراه كل ما يسأل عنه في ذلك الوقت، فقال: « لا تسألونى عن شى إلا بينت لكم » وقال للرجل: « أبوك حذافة » وروى أنّ أم ابن حذافة قالت له: « يا بنى ما رأيت ابنًا أعق منك أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس. فقال ابنها: « والله لو ألحقنى بعبدٍ أسودٍ للحقت به » .
وفى هذا الحديث فضل عمر بن الخطاب وفهمه، ومكانه من الحماية عن الدين والذّب عن رسول الله إذ قال: « رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا ومحمد نبيًا » ومنع تعنيته والإلحاح عليه؛ لأن الله تعالى قد أمر بتعزيزه وتوقيره وألا يرفع الصوت فوق صوته، واستعاذ بالله من شر الفتن، وكذلك استعاذ النبى بالله من شر الفتن، واستعاذ من فتنة المحيا والممات، وإن كان قد أعاذه الله تعالى من كل فتنة، وعصمه من شرها ليسن ذلك لأمته، فتستعيذ مما أستعاذ منه نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهذا خلاف ما يروى عن بعض من قصر علمه أنه قال: اسألوا الله الفتنة فإنها حصاد المنافقين، وزعم أن ذلك مروى عن رسول الله، وهو حديث لا يثبت، والصحيح خلافه من رواية أنس وغيره عن النبى - صلى الله عليه وسلم - .
16 -باب قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ