قال صاحب العين: التوبة النصوحة: الصادقة. وقيل: إنما سمىّ الله التوبة نصوحًا؛ لأن العبد ينصح فيه نفسه ويقيها النار لقوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] ، وأصل قوله تعالى: {تَوْبَةً نَّصُوحًا} [التحريم: 8] توبةً منصوحًا فيها، إلا أن أخبر عنها باسم الفاعل للنصح على ما ذكره سيبويه عن الخليل في قوله تعالى: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] أى ذات رضا، وذكر أمثلة لهذا كثيرة عن العرب كقولهم: ليل نائم، وهم ناصب، أى: ينام فيه وينصب، فكذلك {تَوْبَةً نَّصُوحًا} [التحريم: 8] أى: ينصح فيها، والتوبة فرض من الله تعالى على كل من علم من نفسه ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} [التحريم: 8] . وقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] .
فكل مُذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل وإن كان عالمًا، ومن تاب قبل الموت تاب من قريب، وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: « الندم توبة » . وقال: « إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنّة. قيل: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينيه تائبًا منه فارا حتى يدخل الجنة » .
وقال سفيان بن عيينة: التوبةُ نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بنى إسرائيل القتل. وقال الزهرى: لما قيل لهم: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] قاموا صفين وقتل بعضهم بعضًا، حتى قيل لهم: كفوا. فكانت لهم شهادة للمقتول وتوبةً للحى، وإنما رفع الله عنهم القتل لما أعطوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمةً بعد الإسلام هى أفضل من التوبة.