فهرس الكتاب

الصفحة 5855 من 6439

ليستشعر العبد الافتقار إلى ربه في كل أمر وإن دق ولا يستحيى من سؤاله ذلك، فالتعوذ من فتنة المحيا والممات دعاء جامع لمعان كثيرة لا تُحصى وكذلك التعوذ من المأثم والمغرم، روى عن عائشة: « أن رجلًا قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - ما أكثر ما تستعيذ من المأثم والمغرم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف » .

وضلع الدين: هو الذى لا يجد دينه من حيث يؤديه، وهو مأخوذ من قول العرب: حمل مضلع أى: ثقيل، ودابة مضلع: لا تقوى على الحمل، عن صاحب العين، فمن كان هكذا فلا محالة أنه يؤكد ذلك عليه الكذب في حديثه، والخلف في وعده.

قال الطبرى: فإن قال قائل: فإذا قد صح تعوّذ النبى - صلى الله عليه وسلم - من المغرم، فما أنت قائل في ما روى جعفر بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه، ما لم يكن فيما كره الله عز وجل » . وكان عبد الله بن جعفر يقول: اذهب فخذ لى بدين، فإنى أكره أن أبيت ليلة إلا والله معى بعد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قيل: كلا الخبرين صحيح، وليس في أحدهما دفع للآخر فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكره الله تعالى » . فهو المستدين الذى ينوى قضاء دينه، وعنده في الأغلب ما يقضيه فالله تعالى في عونه على قضائه، وأما المغرم الذى استعاذ منه - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه الدين الذى استدين على أحد ثلاثة أوجه: إما فيما يكرهه الله ولا يجد سبيلًا إلى قضائه فحق الله تعالى أن يؤديه، ومستدين فيما لا يكرهه؛ ولكنه لا وجه عنده لقضائه إن طالب به صاحبه، فهو معرض لهلاك أموال الناس ومتلف لها، ومستدين له إلى القضاء سبيل؛ غير أنه نوى ترك القضاء وعزم على جحده، فهو عاص لربه وظالم لنفسه، فكل هؤلاء في القضاء مخلفون وفى حديثهم كاذبون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت