وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم رضنى بالقضاء، وحّبب إلىّ القدر حتى لا أحب تقديم ما أخرت ولا تأخير ما قدّمت. ومن آمن بالقدر فلا ينبغى له أن يهتم على شىء فاته من الدنيا ولا يتهم، ربّه ففيما قضى له الخيرة، وإنما ينبغى للعبد الاهتمام بأمر الآخرة ويفكر في معاده وعرضه على ربه، وكيف ينجو من سؤاله عن الفتيل والقطمير ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا » . فهاهنا يحسن الهم والبكاء.
وغلبة الرجال أشد من الموت؛ لأن المغلوب يصير كالعبد لمن غلبه وقهره، وكذلك البخل استعاذ منه - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: « وأى داء أدوى من البخل » . ومعنى ذلك أن البخيل يمنع حقوق الله، وحقوق الآدميين، ويمنع معروفه ورفده، ويسئ عشرة أهله وأقاربه.
قال الطبرى: فإن قال قائل: قد دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - بالمفصّلات والجوامع، وكان السلف يستحبون الدعاء إلى الله تعالى بالجوامع كنحو الرغبة في العفو والعافية، والمعافاة في الدنيا والآخرة اكتفاءً منهم بعلم الله بموضع حاجتهم ومبلغا.
قيل: لكل نوع من ذلك حالة يختار العمل به فيها على الآخر فالجوامع تحتاج في حال الحاجة إلى الإنجاز والاقتصاد، والمفصلات بالأسماء والصفات في حالة الحاجة إلى إدامة الرغبة إلى من بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض استفتاحًا بذلك مغاليقها، وقد دعا - صلى الله عليه وسلم - بكل ذلك في مواضعه.
35 -بَاب الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ وَالْوَجَعِ