الصفحة 34 من 73

ولا ريب أن قتال الدافع عن نفسه وولايته أقرب من قتال الطالب لأن يأخذ الأمر من غيره، وعثمان ترك القتال دفعًا عن ولايته، فكان حاله أفضل من حال الحسين، وقتله أشنع من قتل الحسين. كما أن الحسن رضي الله عنه لما لم يُقاتِل على الأمر، بل أصلح بين الأمة بتركه القتال، مدحه النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: "إن ابني هذا سيد وسيُصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (1) .

والمنتصرون لعثمان معاوية وأهل الشام، والمنتصرون من قتلة الحسين المختار بن أبي عبيد الله الثقفي (2)

(1) الحديث عن أبي بكرة رضي الله عنه في: البخاري 3/186 كتاب الصلح، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي رضي الله عنهما: إن ابني هذا سيد.."، 4/204-205 (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام) ، 5/26 (كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما) ، (9/56-57) (كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن عليّ إن ابني هذا لسيد...) . ولفظ البخاري:".. ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين". وفي لفظ:"بين فئتين من المسلمين". والحديث أيضًا في: سنن أبي داود 4/299-300 (كتاب السُّنة، باب: ما يدل على ترك الكلام في الفتنة) ، سنن الترمذي 5/323 (كتاب المناقب، باب: حدثنا محمد بن بشار..) ، سنن النسائي 3/87-88 (كتاب الجمعة، باب مخاطبة الإمام رعيته وهو على المنبر) ."

(2) قال أبو عبد الرحمن المختار الثقفي من أشهر الكذَّابين على آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي ذلك يذكر لنا الكشي في رجاله الروايات التالية: عن أبي عبد الله (ع) قال: كان المختار يكذب على عليّ بن الحسين (ع) .

وعن أبي جعفر (ع) قال: كتب المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسين (ع) وبعث إليه بهدايا من العراق، فلما وقفوا على باب عليّ بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم، فخرج إليهم رسوله فقال: أميطوا عن بابي فإني لا أقبل هدايا الكذَّابين ولا أقرأ كتبهم. (انظر رجال الكشي ص115 و116) .

وتزعم الرافضة أن المختار يدخل النار بسبب حبه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولكن يخرج بعد حين بشفاعة الحسين بن عليّ رضي الله عنهما، فدخوله في النار ليس بسبب ادعائه الرسالة والنبوة والقول على الله تعالى بغير علم ووصفه بالبداء، ولكن بسبب حبه للشيخين رضي الله عنهما، وهل هذا سبب لدخوله النار؟ وأدع القارئ الكريم يقرأ تلك المرويات وبعد ذلك يحكم بنفسه على هذا الهذيان الصادر عن أحفاد ابن سبأ:

الراوية الأولى: عن أبي عبد الله (ع) : إذا كان يوم القيامة مَرَّ رسول الله بشفير النار، وأمير المؤمنين والحسن والحسين، فيصيح صائح من النار: يا رسول الله، أغثني - ثلاثًا، قال: فلا يجيبه، قال: فينادي: يا أمير المؤمنين - ثلاثًا - أغثني فلا يجيبه، قال: فينادي يا حسين يا حسين يا حسين أغثني أنا قاتل أعدائك، قال: فيقول له رسول الله: قد احتج عليك، قال: فينتفض عليه كأنه عقاب كاسر، قال: فيخرجه من النار. قال: (الراوي وهو سماعة) فقلت لأبي عبد الله (ع) : ومَن هذا جعلت فداك؟ قال: المختار. قلت له: ولم عُذِّب بالنار وقد فعل ما فعل؟ قال: إنه كان في قلبه منهما شيء والذي بعث محمدًا بالحق لو أن جبرئيل وميكائيل كان في قلبيهما شيء لأكبهما الله في النار على وجوههما، (بحار الأنوار للمجلسي ج‍45 ص339 ط. بيروت 1983) .

والرواية الثانية: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يجوز النبي الصراط يتلوه عليّ، ويتلو عليًا الحسن ويتلو الحسن الحسين فإذا توسطوه نادى المختار الحسين: يا أبا عبد الله، إني طلبت بثأرك، فيقول النبي للحسين عليه السلام: أحبه فينتفض الحسين في النار كأنه عقاب كاسر، فيخرج المختار حممه. ولو شق عن قلبه لوجد حبهما في قلبه.

وعلق المجلسي على هذه الرواية (بحار الأنوار ج‍45 ص345-346) فقال: بيان: انقضَّ الطائر: هوى في طيرانه، وكسر الطائر أي ضم جناحيه حين ينقض، والحمم - بضم الحاء وفتح الميم - الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، قوله عليه السلام:"حبهما"أي حب الشيخين الملعونين (قال أبو عبد الرحمن: بل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على كل من يلعن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما) ، وقيل: حب الحسنين صلوات الله عليهما، فيكون تعليلًا لإخراجه كما أنه على الأول تعليل لدخوله واحتراقه، وقيل: المراد حب الرئاسة والمال، والأول هو الصواب.

وانظر ترجمة المختار وقبح أقواله وأفعاله، سير أعلام النبلاء ج‍3 ص538-544، تاريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير في حوادث سنة ست وستين وسبع وستين هجرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت