فهرس الكتاب
وإذا كان عبيد الله بن عمر متأولًا يعتقد أن الهرمزان أعان على قتل أبيه، وأنه يجوز له قتله، صارت هذه شبهة يجوز أن يجعلها المجتهد مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص فيها مسائل كثيرة اجتهادية.
وأيضًا فالهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه وإنما وليّه وليّ الأمر. ومثل هذا إذا قتله قاتل كان للإمام قتل قاتله، لأن وليّه، وكان له العفو عنه إلى الدّية لئلا تضيع حقوق المسلمين. فإذا قدّر أن عثمان عفا عنه، ورأى قدر الدّيّة أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدَّين، فإنه كان عليه ثمانون ألفًا، وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته عاقلة الرجل هم الذين يحملون كلَّه، والدّيّة لو طالب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ أو عفا عنه إلى الدية فهم الذين يؤدُّون دَيْن عمر، فإذا أعان بها في دَين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي تُمدح بها لا يُذم.
وقد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي الناس عطاءً كثيرًا أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر؟
وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، وإذا كانت مسألة اجتهادية، وقد رأى طائفة كثيرة من الصحابة أن لا يُقتل، ورأى آخرون أن يُقتل، لم يُنكر على عثمان ما فعله باجتهاده، ولا علي عليّ ما قاله باجتهاده.
وقد ذكرنا تنازع العلماء في قتل الأئمة: هل هو من باب الفساد الذي يجب قتل صاحبه حتمًا، كالقاتلين لأخذ المال؟ أم قتلهم كقتل الآحاد الذين يقتل أحدهم الآخر لغرض خاص فيه، فيكون على قاتل أحدهم القود؟ وذكرنا في ذلك قولين، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، وذكرهما القاضي أبو يعلى وغيره.
فمن قال: إن قتلهم حدٌّ. قال: إن جنايتهم توجب من الفتنة والفساد أكثر مما يوجبه جناية بعض قطّاع الطريق لأخذ المال، فيكون قاتل الأئمة من المحاربين لله ورسوله، الساعين في الأرض فسادًا.