الصفحة 89 من 127

وأيضًا فكان ابن مسعود أنكر على الوليد بن عقبة لما شرب الخمر (1)

(1) قال أبو عبد الرحمن: هذا غير صحيح، ولم تذكر كتب التاريخ هذا، بل وقعت مشادة كلامية بين ابن مسعود - رضي الله عنه - والوليد بن عقبة إثر افتراء جندب، ورهط من الموتورين أمثاله الذين نال أبنائهم القصاص العادل لاقترافهم جريمة القتل لابن الحيسمان الخزاعي.

ذكر الطبري (4/274) ، والمالقي في"التمهيد"ص53: عن الغصن بن القاسم، عن عمر بن عبد الله، قال: جاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود، فقالوا: الوليد يعتكف على الخمر، وأذاعوا ذلك حتى طرح على ألسن الناس، فقال ابن مسعود: من استترعنا بشيء لم نتتبع عورته، ولم نهتك ستره، فأرسل (أي الوليد بن عقبة) إيى ابن مسعود فأتاه فعاتبه في ذلك، وقال أيرضى من مثلك بأن يجيب قومًا موتورين بما أجبت عليّ، أي شيء أستتر به؟ إنما يقال هذا للمريب، فتلاحيا وافترقا على تغضب لم يكن بينهما أكثر من ذلك.

ومما يدل على عمق أواصر المحبة والتقدير بين ابن مسعود - رضي الله عنه - والوليد بن عقبة - رحمه الله تعالى -، أن الثاني كان يستشير الأول في كثير من الأمور لا سيما التي تحتاج إلى سعة فقه وتفكير مثل حادثة الساحر الذي كان بالكوفة، وذلك أن بعض الناس أتوا إلى الوليد وقالوا له: إنَّ بالكوفة رجلًا يمارس السحر، فما كان من الوليد إلا أن طلب الإتيان به، فلما حضر بين يديه، أرسل إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - يسأله عن حَدِّه.

وما كان لابن مسعود رضي الله عنه أن يفتي بأمر حتى يقفَ على حقيقته، لا سيما إذا كانت تلك الفتوى متعلقة بالحدود.

فقال له الوليد: زعم هؤلاء النفر - الذين جاءوا بالساحر - أنه ساحر.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه: وما يدريكم أنه ساحر؟

قالوا: يزعم ذاك. فقال ابن مسعود - رضي الله عنه - للرجل: أساحر أنت؟ قال: نعم، وثار إلى حمار، فجعل يركبه من قِبَلِ ذنبه، ويريهم أنه يخرج من فمه وأسته!!

وبعد هذه المشاهدة قال ابن مسعود - رضي الله عنه - للوليد: فاقتله. فانطلق الوليد، فنادوا في المسجد أن رجلًا يلعب بالسحر عند الوليد، ولا يقصدون بذلك مسامرة ومجالسة الوليد لذلك الساحر، بل يقصدون أن الحكم قد صدر ضد ذلك الرجل بالقتل لفتوى ابن مسعود - رضي الله عنه -، وانتهز جندب هذا الأمر وأظهر غيرةً متناهية في تطبيق الحدود، لا لاستحقاق ذلك الرجل، وإنما لظنه السيئ، وحرصه الشديد لاقتناص أدنى فرصة للانتقام من الوليد - رحمه الله تعالى -.

فانطلق جندب وهو يصيح: أين هو؟ أين هو؟ حتى أريه، ثم ضرب ذلك الرجل ضربًا أوجعه، فما كان من ابن مسعود رضي الله عنه، والوليد بن عقبة إلا أن اجتمعا على حبس جندب.

ثم كتب الوليد إلى عثمان رضي الله عنه، فأجابه أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه. وإنه لصادق بقوله فيما ظنّ من تعطيل حده. وعزّروه، وخلّوا سبيله. وتقدم إلى الناس في ألا يعملوا بالظنون، وألا يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيد المخطئ، ونؤدب المصيب.

ففعل الوليد ما أمره عثمان - رضي الله عنه -، وعاقب جندبًا جزاء فعلته وتطاوله، واستهتاره في قضايا الحدود، وذلك لو أن كل إنسان أقام الحدود بنفسه - لانتشرت الفوضى في المجتمع، وإن إقامة الحدود فقط لإمام المسلمين أو من ينوب عنه.

وبعد التعزير ثار وغضب جندب وأصحابه، فخرجوا إلى المدينة ومن أعضاء ذلك الوفد: أبي خشة الغفاري، وجثامة بن الصعب بن جثامة ومعهم جندب، وكان سبب خروجهم إلى المدينة - عاصمة الخلافة - الطلب من أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - أن يقيل الوليد من إمارة الكوفة، وقد أدرك عثمان - رضي الله عنه - سبب طلبهم في ذلك الاستعفاء، فما كان - رضي الله عنه - إلا أن قال لهم: تعملون بالظنون، وتخطئون في الإسلام، وتخرجون بغير إذن، وارجعوا.

وبعد رجوعهم إلى الكوفة اجتمع إليهم كل موتور وكل حاقد، وبعد ذلك حاكوا قضية شرب الوليد رحمه الله تعالى للخمر، وقد سبق في هذا الجزء بيان المؤامرة، وتم لهم ما أرادوا من عزل الوليد (انظر الطبري ج4 ص274-275، التمهيد والبيان 53-54) .

ولكن في عهد الوالي الجديد على الكوفة"سعيد بن العصا رضي الله عنه"، حاول الموتورون من أتباع جندب، والأشتر، وعمير بن ضابئ، وصعصعة بن صوحان، وابن الكواء، أن يثيروا المتاعب من جديد، لكن سعيد رضي الله عنه قضى على تلك المتاعب بالحلم والصفح.

لكن أنّى لهؤلاء أن يستكينوا وهم يريدون إشعال الفتنة والنيل من الخليفة وواليه، وكان من أمر أولئك أن ضربوا صاحب الشرطة في الكوفة عبد الرحمن الأسدي، وعبد الرحمن بن خنيس، ولم يكن لذلك الضرب من سبب، سوى مخالفة السدي وابن خنيس للموتورين في بعض القضايا المطروحة للمناقشة في ذلك السمر في سكن ابن العاص رضي الله عنه.

وبعد ضربهما قامت القبائل، وبنو أسد بمحاصرة قصر الوالي من أجل تسليم الأشتر وصحبه للاقتصاص منهم على يد الوالي، وكان الموتورون قد احتموا بابن العاص رضي الله عنه لحمايتهم من تلك الغضبة، وحاول سعيد - رضي الله عنه - أن يهدّئ الوضع، فقال: أيها الناس، قوم تنازعوا وتهاووا، وقد رزق الله العافية.

وقابل المتورون صنيع سعيد بهم بالإساءة إليه وإلى خليفة المسلمين عثمان - رضي الله عنه -، فإنهم قعدوا في بيوتهم، ونشروا الأكاذيب، وتطاولوا على سعيد، وعثمان رضي الله عنهما.

ولم يأبه سعيد رضي الله عنه بتلك الأراجيف ولكن أشراف الكوفة ووجهائها ضاقوا بهذا الأمر ذرعًا، واستأذنوا سعيدًا - رضي الله عنه - بالكتابة إلى أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - بإخراجهم من الكوفة وجاء الجواب من عثمان رضي الله عنه: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية.

فأخرجوهم، فذلّوا وانقادوا حتى أتوه - وهو بضعة عشر - فكتبوا بذلك إلى عثمان - رضي الله عنه - وكتب عثمان إلى معاوية رضي الله عنهما: إنّ أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا خلقوا، فارعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم.

وحلّ وفد الفتنة على معاوية - رضي الله عنه - وأنزلهم كنيسة مريم، وعمل بما أمره أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من الإحسان إليهم ورعاية مصالحهم، فكان رضي الله عنه ملازمًا لهم فيتعشى معهم، وحاول رضي الله عنه بكل ما أوتي من العرب لكم أسنان وألسنه، وقد أدركتم بالإسلام شرفًا وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواشيهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشًا، وإن قريشًا لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جُنّة فلا تشذّوا عن جُنتكم، وإن أئمتكم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم.

فقال رجل من القوم: أما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجُنّة فإنَّ الجُنَّة إذا اختُرِقَتْ خلصَ إلينا.

فقال معاوية رضي الله عنه: عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم، لا أرى ل عقلًا، أعظم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به، وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك. وتزعم لما يجنّك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى الجنّة، أخز الله أقوامًا أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم، افقهوا - ولا أظنكم تفقهون - أن قريشًا لم تعزّ في جاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدّهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابًا، وأمحضهم أنسابًا، وأعظمهم أخطارًا، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضًا إلا بالله الذي لا يستذل من أعزّ، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرمًا آمنًا يتخطف الناس من حولهم، هل تعرفون عربًا أو عجمًا أو سودًا أو حمرًا إلا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة، إلا ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا عل الله خدّه الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقّذ من أكرم واتّبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابًا فكان خيارهم قريشًا، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم بالله، افتراهُ لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم، أفّ: لك ولأصحابك، ولو أن متكلمًا غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت.

فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى عربية، أنتنها نبتًا، وأعمقها واديًا، وأعرفها بالشرّ، وألامها جيرانًا، لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سبّ فيها، وكانت عليه هجنة، ثم كانوا أقبح العرب ألقابًا، وألامه أصهارًا، نزّاع الأمم، وأنتم جيران الخطّ وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير في عمان، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأنت شرّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجًا، وتنزع إلى اللآمة والذلّة. ولا يضع ذلك قريشًا، ولن يضرّهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشرّ من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم. لقد علم أنه لا يستطيع أن يرد بكم قضاء قضاهُ الله، ولا أمرًا أراده الله، ولا تدركون بالشرّ أمرًا أبدًا إلا فتح الله عليكم شرًا منه وأخزى.

ولقد حاول معاوية رضي الله عنه أن يثنيهم عن الفتنة وبيّن لهم مغبة ذلك ولكنهم لم ينصاعوا إلى نصائحه، وخرجوا إلى حمص حيث كان الوالي هناك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وذلك بعد أن كتب معاوية إلى عثمان - رضي الله عنهما - بشأن تلك الشرذمة.

وللاستزادة حول هذا الموضوع انظر: تاريخ الطبري ج4 ص317-326، التمهيد والبيان 68-72 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت