فهرس الكتاب
ومع هذا فكلاهما من أهل الجنة، فكيف لا يكون عثمان وعمّار من أهل الجنة، وإن قال أحدهما للآخر ما قال؟! مع أن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمّار قال ذلك (1)
(1) قال أبو عبد الرحمن: إن عثمان رضي الله عنه لم تغب عنه مكانة عمار رضي الله عنه وكذلك فضله وسابقته في الإسلام، وكان رضي الله عنه من أحرص الناس على أن لا يجرح شعور أي صحابي، ولكن إذا كانت المسألة تتعلق بحد أو تعزير فإنه لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وقد نسج القصاصون والإخباريون حول العلاقة التي كانت بين عثمان وعمار رضي الله عنهما أكاذيبًا فاقت الخيال، وصوروا الصحابيين رضي الله عنهما بمظهر العداوة والبغضاء، مع أن الحقيقة خلاف ذلك، ولقد كانت المودة والمحبة سائدة بينهما رضي الله عنهما. ولكي تتضح الصورة الحقيقية حول الإفك المتداول في كتب القصاصين والإخباريين من أن عثمان ضرب عمارًا رضي الله عنهما، نذكر بعض أقوال أهل العلم في ذلك.
يقول ابن أبي بكر المالقي في المهيد ص190-191: فإن قيل: بأن عثمان (رضي الله عنه) ضرب عمارًا، قيل: هذا لا يثبت، ولو ثبت فإن للإمام أن يؤدب بعض رعيته بما يراه وإن كان خطأ. ألا ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقصّ من نفسه وأقاد، وكذلك أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) أدّبا رعيتهما باللطم والدّرّة وأقادا من أنفسهما. وذلك لما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بطن رجل بخشبة فجرحه. فرفع قميصه وقال: تعال فاقتصّ، فعفا عنه. وجاء رجل إلى أبي بكر (رضي الله عنه) يستحمله فلطمه، فأنكر ذلك الناس، فقال أبو بكر (رضي الله عنه) : إنه استحملني فحملته، فبلغني أنه باعه، ثم قال له: دونك فاستقد. فعفا عنه. وضرب عمر (رضي الله عنه) جارية لسعد بالدرة فساء ذلك سعدًا، فناوله عمر (رضي الله عنه) الدرة، وقال له: اقتصّ، فعفا. فإن قيل: عثمان (رضي الله عنه) لم يقد من نفسه، قيل له: كيف ذلك؟ وقد بذلك من نفسه ما لم يبذله أحد خصوصًا يوم الدار، فإنه قال: يا قوم، إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيد فضعوهما. وقد ذكرنا أن عمارًا تقاذف هو ورجل فجلدهما عثمان (رضي الله عنه) حدّ القذف.
ولم أجد من أدلى بدلوه في هذه القضية من العاصرين خيرًا من فضيلة العلامة محمد الصادق عرجون - رحمه الله تعالى - وجزاه الله تعالى عن صحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة، فإنه رحمه الله تعالى فندّ كثيرًا من الشبهات التي أثيرت حول تلك القضية، ولنفاسة ما خطّته أنامله أنقل للقراء الكرام ما هو متصل بموضوعنا، فيقول رحمه الله تعالى في كتابه"الخليفة المفترى عليه"ص138 وما بعدها:
وفي هذه الهنات التي أحصوها على عثمان قصة تتلاقى مع قصة أبي ذر في تقدير بطل روايتها، وإن اختلفت عنها في موضعها، وتلك قصة عقد المنحرفون عروتها بناصية رجل من السابقين الأولين، وذلك هو عمار بن ياسر رضي الله عنه.
روى أبو بكر بن أبي شيبة عن الأعمش قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة، فقالوا: من يذهب بها إليه؟ قال عمار: أنا أذهب بها إليه، فلما قرأها عثمان قال: أرغم الله أنفك، قال عمار: وأنف أبي بكر وعمر، فقام عثمان إلى عمار فوطئه حتى غشيَ عليه، ثم ندم عثمان، وبعث إليه طلحة والزبير يقولون له: اختر إحدى ثلاث: إما أن تعفو وإما أن تأخذ الأرش، وإما أن تقتص، فقال عمار: والله ما قبلت واحدة منها حتى ألقى الله، قال ابن أبي شيبة: فذكرت هذا الحديث لحسن بن صالح فقال: ما كان على عثمان أكثر مما صنع.
هذه الرواية أمثل ما تعلق به المنحرفون في قصة عمار، وهي تدل على أن عمارًا حمل إلى عثمان رسالة تعيبه، وتحصى عليه أمورًا نقمها الناس منه، ولا شك أن ذلك مما يسوء عثمان ويغضبه، وعثمان إنسان يغضب مما يسوءه كما يغضب الناس، فنال من عمار - كما زعموا - بلسانه ويده، ثم ندم فبعث إلى عمار رجلين من خيرة أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم وقادة المسلمين ليسترضيه بكل ما يحتمله مقام الاسترضاء، فأبى عمار وأصر على أن يظل مغاضبًا لعثمان حتى يلقى الله تعالى.
فماذا كان على عثمان في حق عمار رضي الله عنهما بعد ذلك؟ لم يكن عليه - كما قال الحسن بن صالح - أكثر مما صنع.
وهناك رواية أخرى كان عليها معول المنحرفين في قصة عمار تقول: اجتمع من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمسون رجلًا من المهاجرين والأنصار، فكتبوا أحداث عثمان وما نقموا عليه في كتاب، وقالوا لعمار: أوصل هذا الكتاب إلى عثمان ليقرأ، فلعله أن يرجع عن هذا الذي ننكره. وخوفوه أنه إن لم يرجع خلعوه واستبدلوا به غيره، فلما قرأ عثمان الكتاب طرحه، فقال عمار: لا ترم الكتاب وانظر فيه، فإنه كتاب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإني لك والله ناصح، وخائف عليك، فقال له عثمان: كذبت يا ابن سمية، وأمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمى عليه، ثم قام عثمان فوطئ بطنه ومذاكيره حتى أصابه الفتق وأغمى عليه أربع صلوات، قضاها بعد الإفاقة، واتخذ لنفسه تبانًا (سراويل صغيره تستر العورة) تحت ثيابه لأجل الفتق، فغضب لذلك بنو مخزوم، وقالوا: والله لئن مات عمار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخًا عظيمًا، ويعنون عثمان.
أشرنا فيما سبق أن تدوين التاريخ الإسلامي بأسلوب القصص دون نقد وتمحيص يرد الأشباه إلى نظائرها والأمور إلى مصادرها - كان بلية عظيمة على الحقائق في سيرة رجالات الإسلام خصوصًا في مراحل الاضطرابات والانقلابات السياسية، وقد كان لسيرة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من ذلك الحظ الأوفر، ورواية قصة عمار على هذا النهج الملتوي بعض ما نال السرة النيرة من تحريف المنحرفين وتشويه الثائرين. وأخلاق عثمان في سنه وإيمانه وحيائه ولين عريكته، ودماثة طبعه وسابقته وجليل مكانه في الإسلام - أجلّ من أن تنزل به إلى هذا الدرك من التصرف مع رجل من أجلاء النبي صلّى الله عليه وسلّم، يعرف له عثمان سابقته وفضله مهما كان بينهما من اختلاف في الرأي.
أفيرضى عثمان لنفسه، وهو الذي أبى على الناس أن يقاتلوا دونه، ورضي بالموت قتلًا صابرًا محتسبًا اتقاء الفتنة العامة، أن يصنع بعمار بن ياسر - وهو أعرف الناس بمكانه في الإسلام - ما زعمته هذه الرواية الباطلة؟ يأمر غلمانه بأن يضربوه حتى يغمى عليه، ثم يقوم عثمان في هذه الحال فيطأ بطنه ويصنع به ما تحكيه هذه الرواية السقيمة الفاسدة؟
أو ترضى أخلاق عثمان وحياؤه أن يعير عمارًا بأنه ابن سمية، وهو الذي يعرف شرف انتساب عمار إلى سمية أول شهيدة في الإسلام؟ وأي شرف أشرف لعمار من أنه ابن سمية، وهي من عرف الناس قوة إيمانها ويقينها وشرفها في الإسلام ومكانتها في الإسلام يعنون بنقد هذه الروايات وتبيين زيفها، بتطبيقها على ما عرف من خصائص أولئك الإعلام، إذن كان لهم أصدق ميزان في النقد وأبرعه في الكشف عن دخائل الوضاعين المفترين.
وقصة عمار في حقيقتها كما يحدثنا بها سيدنا عثمان نفسه في الرواية الصحيحة أنه قال: جاء عمار وسعد إلى المسجد، وأرسلا إليّ أن ائتنا فإنّا نريد أن نذكرك أشياء فعلتها، فأرسلت إليهما: إني عنكما اليوم مشغول فانصرفا وموعدكما يوم كذا، فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فأعدت إليه رسولي، فأبى، ثم أعدته إليه فأبى، فتناوله رسولي بغير أمري، والله ما أمرته ولا رضيت بضربه، وهذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء.
وفي هذه الرواية الصحيحة أمور تكشف عن وجه الحق في موقف عثمان رضي الله عنه من قصة عمار:
الأمر الأول: أن عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص - بما لهما من المكانة وعليهما من واجب النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم - وقد وصل إلى علمهما ما تهامس به الناس في مجالسهم - أرسلا إلى الخليفة أن يوافيهما بالمسجد ليذاكراه في أشياء تحدث بها الناس في غير رضاء عنها واطمئنان إليها، وقد أرادا من مذاكرة عثمان في هذه الأمور تعرف وجه المصلحة فيها، وتبين قصد الخليفة منها، وإبلاغه صدى ما يتردد على ألسنة الناس حتى يتدارك الأمر قبل أن يضطرب حبل الأمن ويستفحل الخطب، وهذا واجب كل مسلم، مؤكد في حق العلماء والقادة وذوي الرأي.
الأمر الثاني: أن الخليفة اعتذر إلى سعد وعمار من عدم استطاعته مقابلتهما في يومها، وحدّد لهما موعدًا يومًا عيّنه لهما، وذلك أقل ما يتصور في حق الأفراد من عامة الناس، بله الخليفة الأعظم، فانصرف سعد، وكان انصرافه مفهومًا ومعقولًا، وأبى عمار، وكان إباؤه مخالفًا لصاحبه محل ريبة وحذر، فأعاد أمير المؤمنين إليه الرسول يؤكد إليه الاعتذار مرة أخرى وهو يأبى إلا أن يأتيه أمير المؤمنين إلى المسجد في يومه وساعته، وهنا قد يتدخل الخيال، أو يجب أن يتدخل، ليفصل ما أجملته موقف عمار وإصراره على أن يجيء له عثمان، على رغم تكرار الاعتذار مع تحديد موعد آخر للملاقاة. ويستطاع في يسر أن يتصور ما في الإصرار الذي انفرد به عمار عن صاحبه من الإحراج، ولا يخلو موقف كهذا من مقاولة ومجادلة بين عمار ورسول عثمان، قد تعنف وتشتد وقد يلقى فيها رسول عثمان من عمار رضي الله عنه عنيفًا قد يتعداه إلى دائرة الخلافة وأعمالها ونظام الحكم في الأمة وسيرة الولاة والعمال والأمراء مما يتصل بالأمور التي جاء عمار وصاحبه لمذاكرة الخليفة فيها، وحينئذ يسهل أن يتصور استفزاز رسول عثمان بما عسى أن يكون قد لحقه من أذى في نفسه أو حمية لأمير المؤمنين، فتناول عمارًا بغير إذن عثمان ولا رضاه. ونحن في جهالة من هذا الرسول، من يكون لنحكم على فعله حكمًا متصلًا بالخليفة يحمله ثقله وتبعاته؟ أما أن هذا الذي وقع من الرسول منكر - إن كان قد وقع - فهو ما لا يستطيع مسلم إنكاره، ولكن ما ذنب عثمان وما حيلته؟.
الأمر الثالث: إن عثمان رضي الله عنه خلف حين عوتب أنه ما أمر رسوله يتناول عمار، وإنه ما رضي ذلك بل كرهه إذ بلغه، وليس في شرائع الله تعالى طريق لتبرئة عثمان من تبعة فعل رسوله غير ذلك لو أنصف التاريخ واستقامة موازين العقول.
الأمر الرابع: إن أمير المؤمنين لم يقف من عمار عند هذا الحد، بل أسرع إليه بأبلغ ما يقع به التراضي في أشد الخصومات، فقال على سمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وهذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء. وفي ذلك تقدير من عثمان لعمار، لأنه كافأه بنفسه إذ جعل القصاص منه ولم ويجعله من رسوله إلى عمار، وبتدبر هذه الأمور ندرك مدى ما تصنع الروايات الزائفة في تشويه التاريخ وندرك حقيقة موقف عثمان رضي الله عنه فيما أخذوه عليه.