فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 623

ثُمَّ إِنِّي تَدَبَّرْتُ أَحْوَالَ الْمُنْكِرِينَ، فَإِذَا الإِنْكَارُ حَصَلَ مِنْ قِبَلِ فِرْقَتَيْنِ: أَهْلِ جَهْلٍ وَأَهْلِ عِلْمٍ، فَالْجَاهِلُ جَوَابُهُ الدُّعَاءُ لَهُ، ثُمَّ إِنِّي نَظَرْتُ فِي حَالِ الْعَالِمِ، فَإِذَا بِهِ أُتِيَ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالسُّنَنِ وَآدَابِ الشَّرِيعَةِ، وَاشْتِغَالِهِ بِمَا اشْتُهِرَ الْيَوْمَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي لا يَحْتَاجُ طَالِبُهَا إِلَى التَّفَحُّصِ عَنْ أُصُولِهَا وَمَخَارِجِهَا مِنَ الشَّرْعِ، كَالْكَلامِ وَالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّذْكِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ عُلُومٌ أَحْكَمَهَا مُتَقَدِّمُوهُمْ وَأَخْذُوهَا مِنَ الشَّرْعِ، فَقَلَّدَ الْخَلَفُ السَّلَفَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ غَرَضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ غَرَضَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلَوْ أَنْعَمُوا النَّظَرَ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَخْلاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَآدَابِهِ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ، لَعَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ فِي جَمِيعِ مَا يُبَايِنُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ إِنَّمَا أَخَذَهُ مَشَايِخُهُمْ مِنَ الشَّرْعِ، إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا اسْتِنْبَاطًا كَمَا فَعَلَ مُتَقَدِّمُو سَائِرِ الْفِرَقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت