قلت: ولأبي حيان أن يفرق بأن الدلالة على الزمن عند السبك بالمصدر لم تفت بالكلية، والفائت إنما هو الدلالة الوضعية فقط، وإلا فمعنى الزمن مدلول عليه التزاما ضرورة أن الحدث لا بدله من زمان، بخلاف معنى الأمر فإنه فات بالكلية، ولا يلزم من اغتفار الأول اغتفار الثاني، على أنا نقول: الموصولة بالأمر والنهي عند التأويل بالمصدر إنما تؤول بمصدر مأخوذ من المادة التي تدل على الطلب، فإذا قلت: كتبت إليه بأن قم أو بأن لا تقم فالمعنى: كتبت إليه بالأمر بالقيام أو بالنهي عنه، فإنما فات الدلالة بالصيغة فقط، وعلى ذلك جرت عادة الزمخشري في مواضع من «الكشاف» وصرح به في سورة نوح فقال في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) [نوح: 1] فقال: إن الناصبة للفعل أي: إنا أرسلناه بأن أنذر أي: بأن قلنا له: أنذر أي بالأمر بالإنذار (ثم إنه) أي: أبا حيان (يسلم مصدرية أن المخففة من المشددة مع لزوم مثل ذلك فيها في نحو(وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها) [النور: 9] ) على قراءة نافع بتخفيف النون وكسر الضاد، فالفعل دعائي وعند التأويل بالمصدر يفوت معنى الدعاء؛ (إذ لا يفهم الدعاء من المصدر إلا إذا
كان مفعولا مطلقا نحو سقيا ورعيا.
وعن الثاني أنه إنّما امتنع ما ذكره لأنه لا معنى لتعليق الإعجاب والكراهية بالإنشاء، لا لما ذكر، ثم ينبغي له أن لا يسلم مصدرية «كي» ، لأنها لا تقع فاعلا ولا مفعولا، وإنما تقع مخفوضة بلام التعليل.
ثم مما يقطع به على قول بالبطلان حكاية سيبويه: «كتبت إليه بأن قم» ، وأجاب عنها بأن الباء محتملة للزيادة مثلها في قوله [من البسيط] :
32 ـ هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور