فهرس الكتاب
فحنّوا على المضنَى الذي ثوبُ صبرِهِ ... إذا مَسَّه ذيلُ الهوى يتمزَّقُ
غريبٌ بأقصى مصر أضحتُ ديارُهُ ... ولكن قلبي بالشآمِ معلَّقُ
وقد نسخ التبريحُ فهل إلى ... غبارِ ثرى الاعتابِ وصلٌ محقق
ويا ليت شعري هل أفوزُ بروضة ... وفيها عيونُ النرجسِ الغضِّ تُحْدُقُ
وأنظر واديها وآوي لربوةٍ ... وماءٍ معين حولنا يتدفَّقُ
ويحلو ليَ العيشُ الذي مرَّ صَفْوُهُ ... وهل عائدٌ ذاك النعيمُ المروّق
وأنظر ذاك الجامع الفردَ مرةً ... وفي صحنهِ تلك الحلاوةُ تشرق
وأصحابنا فيه نجومٌ زواهرٌ ... ونورُ محيّا وجههم يتألق
فلا برحوا في نعمةٍ وسعادةٍ ... وعزٍّ ومجدٍ شأوه ليس يُلْحَقُ
ولا زال يا مولاي حجًّا مباركًا ... عليه من الله الثوابُ المحقق
ولا زلتَ في كلِّ المقاصدِ سيدي ... من الله في سَعْدٍ وأنت الموفّق
مدى الدهر ما حَنَّ الغريبُ إلى الحمى ... وأرسل دمعًا بل دمًا يتدفق
وما صاح شحرورٌ على غُصْنِ أيكةٍ ... وغرَّدَ قمريٌ وناح المطوَّقُ
هذا، ثم أقمت في مصر المحمية إلى أواسط شهر رمضان المعظم قدره، وبرزت الأوامر الشريفة بعمارة قلعة في القصير. فأمرني حضرة الباشا بسرعة التوجّه إلى القضاء، فلزم أن يطاع أمره، فودّعنا قاضي القضاة - لا زال وابل انعامه صيّبا - وتيممنا عند ذلك"صعيدًا طيبًا"، ووصلنا إلى محمية قنا في سادس عشري الشهر المذكور، وهو نظير اليوم الذي وصلنا فيه إلى مصر في سنة ثمان، فيكون ما بين دخولنا إلى مصر وقنا عامًا كاملًا بلا زيادة ولا نقصان. فلما كان أواسط شهر ذي القعدة الحرام ورد الخبر بأنّ مولانا قاضي تولَّى قضاءَ محمّية بروسة وكان في تلك الأيام ورد على العبد حكم بتحرير الرزق في بلاد الصعيد فلم يبلغه الخبر إلاّ بعد توجّه ذاته المأنوسة، ولم يمكنه المجيء لوداع حضرته الكريمة لا برحتْ عاليةَ المنار، وشقَّ علينا بعد جنابه الشريف عن هذه الديار. وكان إذ ذاك صاحبنا فخر القضاة المدققين، مولانا القاضي تقي الدين، عيّن من جانب الباشا إلى قضاء دجرجا لجمع الغلال، وبينها وبين قضائنا يوم أو بعض يوم لمبتغي الترحال،