فهرس الكتاب
ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة ولاية العهد ليزيد ... - وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق، فهو يقول: إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر و عمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، و إن طمعنا بالمستحيل و قدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر و عمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر و عمر، وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، و العدل في الناس، و النظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، و توسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم و جماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، و يقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، و أجزل الثناء عليهم. العواصم من القواصم لابن العربي (ص 221) .
و نجد أيضًا في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام و ليس الخاص، فقد ورد على لسانه قوله: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله، فبلغه ما أملت و أعنه، و إن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلًا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك. تاريخ الإسلام للذهبي - عهد معاوية بن أبي سفيان - (ص 169) و خطط الشام لمحمد كرد علي (1/ 137) .
و يتبين من خلال دراسة هذه الفكرة - وهي ولاية العهد من بعده لابن يزيد -، أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محقًا فيما ذهب إليه، إذ أنه باختياره لابنه يزيد لولاية العهد من بعده، قد ضمن للأمة الإسلامية وحدتها، و حفظ لها استقرارها، و جنبها حدوث أية صراعات على مثل هذا المنصب.
قلت: و قد رأى معاوية رضي الله عنه في ابنه صلاحًا لولاية خلافة الإسلام من بعده و هو أعلم الناس بخفاياه و لو لم يكن عنده مرضيًا لما اختاره. وحول مبايعة يزيد بن معاوية رحمه الله بولاية العهد، و حول نشوء هذه الفكرة، و حول كون يزيد أهلًا و كفئ لتوليه الخلافة بعد والده، انظر: مقال بعنوان: مبايعة يزيد بن معاوية بولاية العهد، دراسة تاريخية، للدكتور: عمر سليمان العقيلي، في مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود المجلد (12) ج (2) .